أرطغرل بين الدراما الحقيقية والحقيقة الفلسطينية

No comments

صمود حبايبه

إننا ومنذ انطلاق عرض المسلسل التركي قيامة أرطغرل والشهرة الواسعة التي حققها وانتشاره على مواقع التواصل الاجتماعي، أضف إلى ذلك تعلق الجمهور المتابع لأحداثه وكأنهم يريدون صناعة المشهد بأنفسهم أو كأنهم يشعرون بالانتصار على أرض الواقع عند التخلص من ظالم وطاغية في أي مرحلة من المراحل، إن هذا ليس غريبا لأن الفطرة البشرية خلقت على رفض الظلم إلا باستثناءات من بعض الوحوش.

يجب أن أنوه أن جمال هذه الدراما التي فاقت التوقع أصابتني بالإدمان في بدايتها على الرغم من التحدي الذي قطعته بيني وبين نفسي تحدياً لخالتي أنني لن أحضر إلا حلقة واحدة كل يوم ولكن الكرة تدحرجت وأصبحت على شفا حفرة من الإدمان أتابع حلقتين وثلاثة دون كلل أو ملل بل ووضعت نغمة هاتفي المحمول نغمة القيامة وكأنها تبعث في النفس دق طبول الانتصار والعزة المفقودة منذ قرن من الزمان على مرأى ومسمع هذه الأمة، حتى نجحت بالنهاية بالتخلي عن متابعته حرفياً وأدمنته بدلاً عني أمي فلم يعد من الضروري أن أتابع، لأن أحداثه تنقل لي بشغف منها.

إن حبنا لذلك البطل السلجوقي الذي حارب من أجل قيامة وطن مستقل بعيداً عن التبعية للغير حيث نجح بإيجاد نموذج كان الإسلام أصله وامتداداً له. يجب أن نعترف أن أرطغرل كان خارقاً للعادة فهو مميز في زمانه، واستطاع أن يؤسس لنا القاعدة التي يجب أن نكمل من بعدها. لم يقم بتلك الفتوحات من أجل أن يتغنى اللاحقون له بأمجاده ونجاحاته وفتوحاته دون أن نأخذ العبر منها.

إذا دققنا في هذه الدراما الحقيقية فإن المطلوب منا أن نأخذ العبر من ذلك التاريخ على محمل الجِد كلٌ حسب قضيته، وأنا هنا وبحكم فلسطينيتي أصابني الدوار من حجم التباكي الذي نعيش على الرغم من أن الانتصارات تسكن في داخلنا. عندما شاهدنا علاقة الفاتح أرطغرل بوالدته تبادر الشك لأنفسنا أن ذلك غريب ولا يحدث في زماننا، كيف ونحن من عاش في زمن الخنساء التي لم تكل ولم تمل في إرسال ذويها إلى ساحات الجهاد بل وتشجعهم على المقاومة وتطوير السلاح!

دعك من كل هذا ألم يتبادر لأذهاننا عندما شاهدنا الأم “هايماه” تشجع فلذة كبدها على التخلص من كل الويلات التي تحيط بهم “الشيخ رائد صلاح ووالدته”؟ نعم فلكل مقامٍ مقال ألم تقم هذه الأم بدور المرشد المربي الآمر والناهي على طريق الحق؟ لماذا نحن كأمة مجتمعة أكثر ما يميزنا هو تمجيد كل ما مضى، هل سننتظر مئة عام أخرى حتى يقوم أبنائنا بتصوير فيلم وقيامة تحاكي شجاعة رائد صلاح وأمه؟

سنبدأ المشهد بأن ذلك البطل ولد بعد عشرة أعوام من النكبة سنظهر بسالة الأم والأب سنوضح أن الأب شدد على أهمية قمع الظلم أما عن الأم فستتحدث لابنها عن الأرض وعن أخيها الشهيد الذي استمر بالمقاومة دون تراجع واستشهد على أرض اللجون برفقة عمها قبل عملية التهجير، سنظهر للعالم أجمع أن هذه الأم قوت من عزيمة ابنها حتى قال إن أجمل الأوقات التي كان يقضيها عندما يسير من أم الفحم إلى اللجون سيراً على الأقدام من أجل جلب بعض من نبتة الزعتر لتصنع منها أشهى المعجنات.
ولن ننسى مشهد زواج ذلك الشيخ ولا معاناة أبنائه طوال ثلاثين عاماً من الاعتقال والملاحقة المتفرقة وحتى المنع من السفر لأنه عاهد الله ونفسه أن تبقى القدس وفلسطين قضيته الأولى.

كل تلك العزة موجودة أمام ناظرنا ولا نتغنى إلا بمقاومة مضت باستخدام السيف والدرع على الرغم من استمرار مسلسل البطولات. لقد تناسينا شجاعة صلاحنا عندما أبحر في سفينة مرمرة التركية قادماً لغزة من أجل أطفالها الجوعى ونسائها الثكلى وشبابها الذي تزينه الآلام ويتصبر بالآمال. يجب أن نبتعد عن تحقير أنفسنا وأنا هنا لست بصدد تقزيم مسلسل قيامة أرطغرل بل إني أشدد على ضرورة الالتفات إلى حجم الإنجازات والأمجاد العظيمة التي سطرها أبناء شعبي وما يزال في عصرنا الحديث والتي تم نعتها بالإرهاب فهذه البطولات ليست على مقاس الأمم المتحدة فكما عودونا يجب أن نطالب بحقنا الذي تم سلبه بالمشورة والمحاورة!! أي أن أقابل السارق ونجلس سوياً على نفس الطاولة وأجلب له كوباً من القهوة حتى يكمل مخططاته لابتلاع ما تبقى من تاريخ لنا! أما عن دور حليمة زوجة أرطغرل ففي وطني المئات بل الآلاف منها أم الأسير، وزوجة الشهيد.

سأنهي من حيث أنهت رزان النجار التي لم تتجاوز الواحد والعشرين ربيعاً نصف عمرها الأول أمضته ما بين انتفاضة كان فيها القتل والتشريد، أما النصف الآخر ما بين حصار وحروب متتالية ولكنها اختارت أن تكون ملاك الرحمة حتى تداوي آهات المكلومين المحرومين من السفر للعلاج والذين اختاروا طريق عودتهم بنفسهم على حدود غزة، ترجلت فارستنا لم تستكن فذهبت متطوعة حتى تضمد جراح الشباب الثائر.

اختارت الطريق وارتبطت بمن يشبهها أمام عدسات الكاميرات ولكن قوات الغدر الصهيوني لم تمهلها الكثير حتى أطلقت رصاصات غدرها نحو قلبها الكبير لترتقي شهيدة تاركة خلفها جيشا ووطنا من المحبين أبت إلاّ أن تعلنها للعالم أنا المسعفة ولكن الحب أسمى أمانينا يجب أن تعلنوها الآن أن وطني قدم الكثير ويجب أن لا ننتظر مئة عام أخرى من أجل أن تصوروا الإنجازات بفلم درامي، يجب أن تذكروا للعالم كافة أن في وطني رجالا رفضوا الظلم فأطلقوا الطائرات حتى يستطيعوا رؤية صفد بعد سبعين عاماً من التهجير، لم يملوا فأطلقوا الطائرات الورقية علها تجلب لهم جزءاً من الوطن الذي أحرقت محاصيله وبيارته في زمن النكبة.

الخجل يعتري قلمي والجزع يسكن فؤادي كلما شاهدت فيديو وداع ونحيب رزان، كيف سنبرر لحبيبها في المستقبل أن يقبل ويسكن في سيناء، كيف سنبرر للقادمين أن القدس الشرقية عاصمتنا وأجدادنا الذين تم سحقهم في عام 1948 نسيناهم وأن حقنا الذي سلب في نكسة العرب عام 1967 تم التنازل عنه أو سيتم!

إن مشكلتنا ليست في تقديسنا لتلك القيامة العثمانية الماضية والتي جُل ما يدور فيها من الخيال والموسيقى التصويرية وحتى أصوات السيوف ومشاهد وبطولات تلك النساء، بل إن المشكلة الحقيقية التي نعاني منها هي تقزيم الإنجازات التي وصل لها أبطال الوطن خلال الفترة السابقة وكم من أرطغرل مر علينا خلال تلك الفترة ويمضون، ألم يكن أحمد جرار أرطغرل وكذلك المقاوم المثقف باسل الأعرج، ألم تكن أم حمزة أبو الهيجا كالأم هايماه ألم تكن آلاف من زوجات الأسرى كحليمة؟ ألم يكن أبناء المقاومين الذين تركوا صغاراً ورضعا في أحضان أمهاتهم كابن أرطغرل “غوندوز” بطلاقة لسانه وذكائه؟

لنتمعن أكثر لقد سيطر على تاريخنا الكثير من أمثال “سعد الدين كوبيك” والذين مجدناهم بل ووضعناهم حكاماً علينا حتى عودنا أنفسنا على التروي على أعتاب الحلول والصفقات الموهومة حتى استمرت هزيمتنا من الداخل لنتروى وننتظر وليبقى رائد صلاح في سجنه وفي خلوته ولنبقى نعيش في داخل أمة يعتريها الوهن لا تثور إلا من أجل امتلاك أجمل الثياب من أرقى الماركات العالمية. لتبقى أمهات الأسرى تتجرع الألم ولترحل رزان النجار مخلفة ورائها قلب حبيب مكسور لا يستوعب ما الذي جرى وليدفن حبه أمام الجميع على حدود الوطن المسلوب وليعلنها للعالم أجمع أن الوطن بخير طالما أمثال “سعد الدين كوبيك” أسياد على هذا الوطن الذي حاولوا امتلاكه وعندما فشلوا وأعلن وطناً حراً لم يستطع أحد كسره فتمت محاصرته.

ارقدي ونامي يا رزان فلا حاجة لتضميد جراح الوطن حتى لو بترت أقدام وأزهقت أرواح فإن الوطن مازال يقف على قدم وساق ما استمر الحصار وسيعيد لإسرائيل القدس من بعد مفاوضات الاطمئنان على صحة البديل. ارقدي يا رزان حيث لم يعد لدينا الثقة بأنفسنا، أتعلمين لماذا؟ لأن شيوخ السلاطين أفتوا أن المقاومة ما هي إلا رجسٌ من عمل الشيطان وتناسوا قبضهم ثمن تحويلنا لعبيد. إن الأمة بخير مادام علماء السلاطين يصعدون ويرتقون ويظهرون على الفضائيات كلما فاضت المزيد من دمائنا، في المقابل يا حبيبتي يجب أن أذكر لكِ أن هناك الكثير ممن رسموا الرفض لتلك الخزعبلات عنواناً للمرحلة ولكن تم الزّج بهم في السجون من أجل الإعلان عن سفارة وهمية على أرض الميعاد.

نامي يا رزان فالأمة الآن جُل انشغالها فقط بتداعيات صفقة القرن يخططون كيف لإسرائيل أن تكمل السيطرة على بلاد الرافدين مستقبلاً.

DET Platformأرطغرل بين الدراما الحقيقية والحقيقة الفلسطينية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *