التاريخ هل يَأسِر البشر أو يُعلِّمهم ؟

No comments

التاريخ هل يَأسِر البشر أو يُعلِّمهم ؟.

الماضي شيء حدث وانتهى وذهب بأشخاصه وظروفه وملابساته التي يستحيل أن نصل أو نتفق على تفسير واحد لها، فلا يمكن لأي شخص أن يعرف كل التفاصيل والخبايا حتى يحكم بشيء من الإنصاف، وبنفس الوقت لكل زمان قواعد وقوانين وعُرف خاص به يجب أن تُحاكم على أساسه الأحداث

ويجب أن نعلم أيضا أن احترام وتمجيد اللقطات الجيدة والمضيئة في هذا التاريخ شيء مفيد ومحفز وضروري لتقدم الأمم ورُقيِّها.

ولكن الفائدة الأهم من التاريخ هو استخلاص الدروس التي نتعلمها منه، لنطبقها في حياتنا الحالية وبما يناسب ظروفنا الواقعية

وهذه الدروس هي ما يجب أن نعلِّمها لأولادنا وطلابنا في المدارس .. لأن المعلومات التاريخية شيء خطير جدا، لأنها بسبب شكلها القصصي الجميل والمُغري، هي ما تُشِّكل وجدان ووعي البشر بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.

وإليكم المثال الأهم برأيي لشرح هذا الأمر:

لا يختلف أحد أنه كان يوجد عبيد وإماء وعبودية وسُخرة، وبيع وشراء للبشر، وعقوبات على كل من يخالف هذا النظام، من العبيد والإماء لو هربوا مثلا من سيدهم.

هذا ماضي وأحداث جرت، وارتبط بها تراث وشعر وفقه وقوانين ووقائع تاريخية، والتي انتهت قريبا جدا في القرن الماضي فقط، حتى لا يظن أحد أن مثالي هو لماضي غابر بعيد.

ولكن ما نستفيده من هذا التاريخ اليوم، أننا يجب أن لا نُكرر هذه الأحداث بأي طريقة من الطرق .. فقد اتفق العالم كله أننا كلنا كبشر متساوون، ولا يمكن أن أرضى أن تُباع أختك في سوق، ولا تُباع أختي في محل، أو أن يتم شراء طفل أو بيعه كأنه سلعة، ولا يهمني من أي دين أو ملة أو طائفة أو جنسية كنت .. “أنت حر وأنا حر”.

هذا شيء اتفقت عليه البشرية، ونحن المسلمين فرحنا به وأقررناه بآلاف الدراسات والبحوث والكتب والأدلة، لأنه يوافق ما نعتقده ونحبه وندعو له وهو يوافق العدل أعلى قيمة من قيم الإسلام: (إن الله يأمر بالعدل).

والدرس الأهم وما يجب أن أُعلِّمه لأطفالي: أنه يا أيها الإنسان تعال نتحد ونعمل سويا، حتى نمنع أن يحصل هذا الظلم مرة أخرى في أي مكان في العالم، لأن هذا ضد الكرامة الإنسانية والرقي والتحضر والأخلاق والدين .

ويجب أن أُعلِّم أطفالي أن ما فعله سفهاء داعش مثلا، شيء يجب أن يُشعِرك كمسلم بالقرف والفزع والاستنكار، عندما يبيع أو يستبيح فتى سفيه قادم من بلاد الغرب أو الشرق (ويظن نفسه أنه مجاهد)، امرأة عراقية أو سورية بحجة أنها عبدة عنه غَنِمها من الحرب.

بالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن ننتكس ونرجع للماضي ونُقِّر العبودية مرة أخرى، لأن هذا ضد الحياة وتطورها وضد سنن الله في أرضه.

ويمكن أن نقيس هذه الحادثة على كثير من أحداث الماضي، وخصوصا ما فعله بعض القادة والعسكريون في الدول والممالك السابقة في أثناء الحروب والصراعات، فهم كانوا في زمن مختلف وقواعد مختلفة تُناسب زمانهم وظروفهم.

ولكن نحن يجب أن نتفق اليوم أن كل تلك الأحداث قد مضت، والمهم هو الدروس التي تعلمناها منها ونُعلِّمها لأولادنا فتُشكِّلُ أفكارهم ومستقبلهم.

وأهم درس برأيي تعلمناه من التاريخ العسكري والصراع السياسي للأمم، ويجب أن نُطبِّقه في عالمنا اليوم، هو قاعدة تقول:

(أن من يصل للحكم عن طريق قتل الناس وسحلهم وسجنهم وتعذيبهم وسرقة أموالهم وأرزقاهم وغصبهم واحتلالهم، هو قاتل مجرم غير إنساني، ولا يوجد اليوم أي مبرر ديني أو أخلاقي لفعله هذا).

والطريقة الوحيدة الشرعية للوصول إلى سدة الحكم، هي رضا واتفاق البشر الذين يحكمهم هذا الشخص، لأنه مجرد موظف عندهم لإدارة شؤونهم

هو ليس ابن الله، ولم يكلفه الله بالحكم، ولم تنزل كتب سماوية تقول أنه هو وعائلته هم الحكام، وليس صاحب دم أزرق يختلف به عن البشر ويمتاز عنهم.

ولو قام شخص منا ولو كان يُصلي ويصوم ويتصدق ويحج، ويُسمي نفسه محمد أو عبد الله بخرق هذه القاعدة، فهو مجرم مدان وقاتل وسفاح وطالب سلطة وسارق لشيء لا يملكه، وهذه قاعدة تنطبق على أي إنسان من أي ملة أو دين أو جنسية.

هذه هي القاعدة الجديدة التي يَجب أن نعززها ونتفق عليها وننشرها، ونعلمها لأولادنا في المدارس لو أردنا صناعة مستقبل أفضل لهم.

من الغباء أن يَأسرنا الماضي بداخله، بل يجب أن يكون محفزا لنا لنكون أفضل ونعيش في عالم أفضل.

هذا رأيي وما أراه الحق، وهي خلاصة وصلت لها، وما تعلمته من خلال دراستي الماجستير بجامعة الأزهر في كلية الشريعة والقانون، ويهمني أيضا سماع آرائكم أحبتي الكرام.

 

أسامة الخراطالتاريخ هل يَأسِر البشر أو يُعلِّمهم ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *