الجوافة وأصل الحكاية

No comments

صمود حبايبه

تعد الجوافة إحدى أنواع الفواكه الآسيوية ولها حوالي 140نوعاً…..

لقد شعرت بالتعجب والدهشة التي أبداها قلمي فلقد توقف عن الكتابة واستكمال الحروف فهو يرى في ذلك استنزافا لوقته ووقت من يريد قراءة الموضوع، فأكمل قائلاً: صديقتي فليذهب من يريد معرفة بعض المعلومات عن هذه الفاكهة إلى الموسوعة الضخمة “ويكيبيديا”! ولكني طلبت منه فرصة وألا يكون متسرعاً مثلي في الحكم على الأمور بسطحية وأن يسمح لي بهذه الفرصة حتى لو كانت الأخيرة. وافق ولكن مع تهديدي بأني إذا عدت للشرح بهذه السذاجة فسينتقل ليكون ملكاً لشخص آخر يستحقه وليحمل الأمانة التي وجد من أجلها، فقال لي أنا كالرصاص في بندقية المقاوم لا يخرج إلاّ من أجل الدفاع عن الشعب والأرض، وأنا بين يديك لتخرجي ما بداخلي بعيداً عن الغث، هيا ابدئي الآن ولن أعود لتذكيرك، هذه الفرصة الأخيرة! حسناً يا صديقي الصدوق.

قبل أسبوع تقريبا ضجت الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي بأنّ الأسير زياد دقة -من باقة الغربية- احتفل لتناوله فاكهة الجوافة بعد 32 سنة من الأسر في سجون الاحتلال الصهيوني! تعاطف الجميع يا صديقي مع قضيته وكأنّ هذا الأسير كان طّي النسيان ولولا هذه الفاكهة لبقي هكذا إلى الأبد. هل وصلنا إلى هذا الحد من السذاجة؟ نتناقل الخبر من أجل السبق الصحفي فقط، دون أن نعطي أي اعتبار للقضية التي ننقلها أو لباقي تفاصيل حياة الشخص المعني!

وعند البحث تبين أن الخبر مغلوط وأن زوجة الأسير صرحت بأن زوجها لا يحب هذه الفاكهة وأن هذه ليست أسمى أماني زياد، فبدلا من ذلك تقول زوجته: وددت أن توضحوا أن والده توفى قبل خروجه من السجن، وانقلوا إلى جانب هذا الخبر أنه محروم من رؤية والدته التي أصبحت غير قادرة على تذكر ما يدور حولها…

وأنا أقول لِ أمي “سناء” لا تقلقي فنحن في عالم رديء أصبح همه الأول عدد الإعجابات والمشاركات والتعليقات، أصبحنا بشكل البشر وقلب الحاسوب أو الهاتف المحمول، عالم تتحرك عواطفه فقط ب “سمايل” هنا أو هناك ومن ثم يمروا مرور الكرام على الحدث وكأن شيئاً لم يكن.

لقد نسينا أو تناسينا ما فعله هؤلاء الأبطال حتى نكون على ما عليه الآن، لا نشارك إلاّ في احتفالات خروجهم أو احتفالات تنصيبهم الفصائلية، يجب أن أذكر لك أنّ المؤلم أكثر هو عدم اكتراث البعض بهؤلاء الأسرى لأنهم أسرى من الداخل الفلسطيني والحجة أنهم مواطنون “إسرائيليون” ذنبهم أنهم يحملون البطاقة الإسرائيلية التي أجبروا على حملها، لقد تناسوا أن هذه البطاقة دفعوا ثمنها الكثير لأن حاملها يلتف حول عنقه أفعى من الضرائب التي لا تعد ولا تحصى، حاملها متمسك بوطنه الذي رفض الخروج منه عندما قام الصهاينة بتهجير ذويهم! نعم يجب أن نضع النقاط على الحروف، ليتنا نعود لزمن الورقة والقلم فقط، نكتب لإيصال المعلومة للمعنيّ بأن تصل إليه، أما اليوم فإننا أمام شبح الطمع والجشع على حساب آهات الشعوب والأفراد بغض النظر عن المآل لما ننقل أو نكتب.

إني أرى الحقد الدفين في داخل من نقل الخبر وأنظر يا أمي داخل أفكاره، يجب أن نحمد الله أنهم نقلوا الخبر بهذه الصورة، أتعلمين لماذا؟ لأنهم ودوا أن يقولوا أنّ الأسير دقة احتفل اليوم بتناوله لفاكهة الجوافة وأن الاحتلال عامله بإنسانية فجلب له قالبا من “الجاتوه” على شكل تلك الفاكهة وساعدوه على إطفاء شمعة شبابه وجلبوا له آيفون إكس وسمحوا له بالتقاط صورة سيلفي مع القضبان. نحن أمام صفقة القرن، يجب أن يقلب كل شيء وأن يصبح الوهم حقيقة.

إن الأسير بشر له صفاته الإنسانية، فهو يحب أن يأكل ويذهب ليستجم، إنه بشر بحاجة لأن نحترم تضحياته ونبتعد كل البعد عن تقزيم إنجازاته التي كان ثمنها فناء أجمل سنين عمره وراء قضبان تعتريها كل الحقارة، حقارة السجان وحقارة سذاجتنا، يجب أن نبتعد عن ذلك حتى لا نقوده إلى التفكير بشيء من الندم والشعور بأن بطولاته جريمة مقترفة ليتها لم تكن، ولإن راوده هذا الشعور ولن يكون، سيتناسى الجميع بطولات هذه الأقمار التي لا نستطيع ذكرها وكتابتها حتى لو كانت على كل دفاتر الأرض، ويلاه إن تبادر لذهنه هذا التفكير سنقوم بتخوينه وتحميله ذنب نفسه وذنب ما اقترف، نعم نمتلك كل هذا الكم من اللؤم وكل هذا الكم من الأنانية.

صديقي القلم؛ هذا ما أردت توضيحه لك منذ البداية كي تنقله لغيرك، ولكنك أصبت بالضجر من أول سطر بدأت به، أنا لا أهوى هذه البدايات ولكن القارئ في هذه الفترة لا تجلبه إلا الكتابات ذات البدايات البائسة أو العناوين الفضفاضة فلو بدأت باسم الأسير لأعرض جل الأصدقاء عن قراءة هذه الأسطر، فلقد أخذت بعضا من صفات دهاء تلك الصفحات التي كتبت بضع أسطر على استحياء عن الأسير دقة الذي احتفل بتناول الجوافة، دون ذكر الجوافة وأصل الحكاية الحقيقية، سامحني فلقد تنازلت عن إنسانيتي وأضعت شيئا من حبرك وأصبتك بشيء من الذعر والريبة في البداية من أجل اللحاق بركب كتاباتهم الرمادية.

صديقتي نعم لقد صدمت في البداية فأنا لم أعتد على هذه الكتابات منكِ، صحيح أنك لم تصلي إلى مرحلة متقدمة في الكتابة ولكني اعتدت على الكلمات الجريئة التي تلقنيها لي، اعتدت على الخرابيش السريعة التي لا أشعر بالملل وأنا أنقلها منك، وأنا أهنئك هذه المرة وأعتذر عن أسلوب التهديد الذي اتبعته معكِ، فلقد كنت متسرعاً بعض الشيء.

لا تعتذر يا رفيقي، ليت كل الأقلام تتبع ما اتبعته معي، لما قرأنا هذه الخرافات والخزعبلات المنتشرة، أسلوب تهديدك راقَ لي لأنك لو لم تفعل ذلك للحقت بركب شيطانهم، شكراً لك، هيا استرح مكانك على المكتب مع ورقة بيضاء جديدة حتى تستعد لكتابة أخرى…

DET Platformالجوافة وأصل الحكاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *