الخيميائي

No comments

يمان زباد

لِكلٍّ منا خيباته، آلامه وذكرياته ونبضات قلبه التي لم يُخبِر بها أحداً مع أنه يتمنى لو كان صداها يملأ الدنيا. ولكن (سانتياغو) كان كذلك حتى بأحلامه وأهدافه.
ذلك الفتى الراعي الأندلسي الريفي الناشئ بين المراعي الإسبانية، المتقن لحوار تراثها مع التاريخ المعتق في نسماتها.
سانتياغو قادَه حُلم يتكرر في نومه إلى الانطلاق باحثاً عن (أسطورته الشخصية) التي ظهرت في حلمه ككنز موجود في الأهرامات في مصر. مُتحسراً على الفتاة ابنة التاجر التي سحرت قلبه وانتظرها لأيام على رصيف مدينتها ورأى مستقبله وقلبه من همساتها.
بدأ رحلته وهو مُوقِنٌ بأنَّ الأيام لا تتشابه فإذا تشابهت الأيام فذلك يعني أنّ الناس توقفوا عن إدراك الأشياء الجميلة وتغيير السيء منها الذي تمثل في حياتهم.
فباع قطيعه الذي شكل عائلة له مُطلقاَ الأسماء والألقاب عليها واشترى تذكرة ليقطع البحر بها متجها نحو كنزه. ولكنه سُرق فور وصوله لطنجة، فعَمِل أجيراً في محل زجاج يائساً من الوصول لهدفه ولكنه تذكَّر كلمات عجوز قال له “عندما تريد شيئاً بِصدقٍ وعزيمة فإنّ الكون بأسره يطاوعك على تحقيق رغبتك”.
اتجه إلى الصحراء لاهثاً نحو حلمه إلا أنّ حربا هناك جعلت القافلة تبتعد عن الطريق لتأوي إلى قبيلةٍ، ولكن الأقدار والريح أَتَت بفاطمة ابنة الصحراء إليه، فخدرت عقله وقلبه وازدادت قناعته أنّ كل ما نخشاه هو فقداننا ما نملك. سواء أكان حياتنا أم مزروعاتنا بَيْد أنّ هذا الخوف يزول عندما ندرك أنّ تاريخنا وتاريخ العالم إنما كتب باليد ذاتها، تلك اليد الخفية.
تلك اليد التي أعطت لكل امرئ أسلوبه في التعلم ولكن الجميع عليه أن يسعى لتحقيق (أسطورته الشخصية) وقطعت فاطمة أوهامه ومخاوفه لتخبره بأنه محاربها، فالمحاربون يفخرون بكنوزهم وكذلك نساء الصحراء يفخرن بمحاربيهن.
فلو رَكَن ذلك الفتى الأندلسي ورضي بقطيعه وحُبه الواهم من ابنة التاجر في قريته لما رَبِح قلب فاطمة التي أصبحت جزءاً من حلمه وأسطورته الشخصية، وفي خِضم معارك قلبه وعقله التقى بذلك الشاب العربي (الخيميائي) الذي اختصر بداخله سر الروح والعالم مخاطبا إياه عن فاطمته “لا تنس أنه حيث يكون قلبك يكون كنزك. ينبغي أن تعثر على كنزك وإلا يغدو كل ما اكتشفته في رحلتك بلا معنى فلقد وجدت فاطمة كنزها الذي ليس سوى أنت وهي تنتظر الآن أن تجد ما تبحث عنه”.
فالحب في مُطلق الأحوال لا يَمنع رجلاً من متابعة أسطورته الشخصية لكن إذا حصل ذلك فلأن هذا الحب ليس بالحب الحقيقي الذي يتكلم بلغة العالم.
فمنذ ذلك اليوم بدأ الفتى يُصغي إلى قلبه وطلب إليه ألا يتخلى عنه أبدا، كما طلب إليه أن ينقبض داخل صدره عندما يغدو بعيداً عن أحلامه وأن يُنذِره، و أقسم أنه في كل مرة يسمع فيها إشارة الإنذار سوف يأخذ حذره.
وقاده قلبه ليعرف الكون ويخاطبه، فينجيه ذلك الكون من القتل لمرات ومرات ويجيبه على تساؤلات أعيته، كحيرته في الحب، فتناجيه الشمس أن الحب هو عندما يحلّق الصقر فوق رمالك متناسياٌ حرَّك ويرى فيك حقولاً خضراء وما من مرة عاد بلا فريسته.
فيتركه الخيميائي ويصل الفتى الأندلسي إلى كنزه ليعلم أنّ كنزه وأسطورته الشخصية هي نتاج ما تعلمه ويرشده ما وجد في الأهرامات إلى كنز حقيقي قد دفن في قريته وفي طريقه إليها يمر بمُنتَظِرته فاطمة بنت الصحراء ليأخذها ويستعيد قلباً قد أودعه أمانة عندها.

DET Platformالخيميائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *