السياسة هل هي حل أو مشكلة؟

No comments

السياسة هل هي حل أو مشكلة؟

لا أريد أن أحدثكم عن السياسة، مع أني درستها في الجامعة وهي اختصاص جميل جدا، ولكني أعرف كره الناس لهذه الكلمة، وذلك لاعتقادهم أنها قد جرَّت علينا الويلات والحروب والمصائب، وأن من يمارسها يستخدم الكذب والدجل والطمع، وهي غير مفهومة وغامضة في تقلباتها.

ولكن اصبروا معي لتسمعوا أصل المشكلة برأيي وهي: عدم فهم الناس للسياسة، لأنها مادة لا تُدرَّس في أي مكان، وكيف أنها حل لكثير من المشاكل بين الناس وبعضهم لمن فهم كيف يستعملها بحكمة وتوازن.

السياسة كلمة مشتقة من “ساس الخيل” ومنها اشتق اسم: “السائس” وهو من يقوم على خدمة الخيل ورعايتها والاعتناء بها

وفي الانكليزية (Politics) وهي كلمة لاتينية معناها رعاية شؤون المدن، فالسياسة هي: طريقة حكيمة لرعاية شؤون الآخرين، سواء كان خيلا أو إنسانا أو أسرة أو مدينة كبيرة.

ولكن حتى نستطيع رعاية شؤون أي شيء وتدبير أموره ليعيش بشكل جيد، يجب أن يكون هناك حكمة وتحايل إيجابي وتوفيق بين الأطراف، لأن هناك دائما تضارب في المصالح واختلاف في حجم القوة والتأثير للناس،

وطبعا بحكم النفس البشرية كل طرف يريد أن يأخذ كامل طلباته، ويبذل أقل ما يمكن، بينما الممكن والمتاح في الحياة وحتى تعيش الأطراف مع بعضها، هو إيجاد حلول وسط تُرضي كل الأطراف نسبيا، لتجعلهم يستمرون في التقدم والعطاء، وليس افتعال المشاكل والعرقلة.

ولنضرب لكم مثالا عمليا، أنت اليوم تريد أن ترعى شؤون بيتك، وما هو متوفر لك: هو راتب محدد، ووقت محدد، وإمكانية للاهتمام محددة، هنا سينشأ تضارب في المصالح بين أولادك وزوجتك وبينك أنت شخصيا، فكل منكم يريد طلبات معينة واحتياجات مختلفة، تستهلك المال والوقت والاهتمام المحدود أصلا، وكل منهم يملك قوة ضغط وتأثير مختلفة في البيت، سيستعملها بدون شك لتحصيل ما يريد.

فابنك الكبير مختلف في طلباته وقوة تأثيره، عن زوجتك التي تملك قوة ضغط أكبر وطلبات ذات طبيعة مختلفة، وهم مختلفين تماما عن ابنتك الصغيرة، بالتالي كل له طريقة تفكير وطريقة للإقناع مختلفة، ويجب أن توزع الموارد المتاحة عندك من الوقت أو المال أو الاهتمام بينهم بطريقة ذكية فيها تدبير وسياسة.

ويستحيل عليك بغير ذلك أن تُوفِّي بكل هذه الطلبات لتُرضي الكل حسب ما يريد هو، فهنا أنت تحتاج استعمال السياسة: لتقوم بعملية موازنة بين كل هذه الأمور، وحتى تجعل الكل راضيا قدر الإمكان، ليقوم بدوره ولا يخلق لك المشاكل، ولتضمن أن يبقى البيت مستقرا فيه تفاهم، يُؤدي كل منهم وظيفته، فيذهب ابنك الكبير لعمله راضيا، وتذهب ابنتك لمدرستها منطلقة، وتقوم زوجتك بتدبير شؤون بيتها وهي سعيدة، وأنت طبعا يتوفر لك احتياجاتك الأساسية، وبالتالي تستطيع الذهاب لعملك لتواصل الإنجاز وأنت مرتاح.

ولو فُقدت السياسة من البيت ستكون هناك حروب دائمة بين كل الأطراف تُدمِّر السلم والأمن، وتعيق الكل عن أداء دوره.

وقد يقول قائل ولماذا كل هذا التعب، أنا أملك القوة والمال وأستطيع فرض كل ما أريده بالقوة القاهرة والعقوبات والحظر والحرمان من المال والمكتسبات، سأقول لك أبشر بثورة قريبة تُدمِّر كل ما فعلته من منجزات في هذا البيت، واستمرار للمشاكل وتداعياتها ستهدم أصل المشروع وتُودي به، فبدل أن تنشغلوا في العمل والإعمار، ستنشغلون في الحروب والمكائد، وتَدخُّل كل طرف خارجي بحجة الإصلاح ونصرة المظلوم، ولكنه أيضا يريد تمرير مصالحه من خلال هذه الفوضى.

هذه هي قصة السياسة، ويمكنك أن تُكبِّر الصورة من البيت للشارع للحي للمدينة للدولة وستبقى الفكرة نفسها

يجب أن يكون هناك عقلاء يفهمون السياسة، ويقومون بمهمة رعاية شؤون الأفراد كافةً بحكمة وحزم ورحمة وفهم وحب وسياسة.

أو سيكون ما ترونه من مآسي وآلام وخسائر في محيطنا، ولكن تأكدوا أن السياسة تبدأ في البيوت ولو فُقدت فيها، فلن تروها في أي مكان آخر في المجتمع أو الدولة.

صباح السياسة والوناسة

أسامة الخراطالسياسة هل هي حل أو مشكلة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *