الوهلة الأولى

No comments

الشُّعورُ الأوَّلُ كفاتحةِ الذِّكرِ الحكيم ، كشمسِ الصَّباح حينما تتخلَّلَ ثنايا الأرض لتبعثَ فيها النّورَ والحياة ، كأوّل تكبيرةٍ ينادي بها المؤذن أنْ حيَّ على الفلاح موقِظاً الكائنات من سباتِها العميق، وكأول خفقةِ قلبٍ في صدرِ الوليدِ تكتب له استهلالته و بدايةَ مسيرِتهِ بين الخلائق .

الشعور الأول هو شفاءٌ للرّوحِ من أنْغاصِها، وتجديدٌ لها من قِدَمِها, وتحريرٌ لها من قيدها .

الشعور الأول لا يقارنُ بأقرانِه من المشاعر , يبقى زهِيًّا نابضا بالحياة وزاخرا بالأحاسيس المنبثقة مهما مرت عليه الأعوام والسنين !

هل تذكرُ أوَّلَ مرةٍ ذهبت فيها إلى الجامعة ! كيف كانت مشاعرك حينها ! شعور توترٍّ يغالبه شعور بالحماس واللَّهفة لولوج هذا العالم الجديد .

وهل تذكر كذلك أول امتحان قدمته فيها ! لا أعلم مالذي خالجك حينها ! ولكنْ ما أذكره أنَّ مشاعرَ خوفٍ من الفشل خالجتني فدفعتني للدراسة بجد , حتى إذا ما دخلت قاعة الامتحان غالبتني مشاعرُ تَحدٍّ وتخيَّلتُني كفارس مغوار في حرب ضَروسٍ يسعى للانتصار على أعدائه والتي ما كانت سوى أسئلة الامتحان ! حتى إذا ما انتهيت كانت نشوة النصر تتملَّكُني ممزوجة بالحَمْدِ لله أنْ مَنَّ علي بالتوفيق .

لا زلت أذكر ذات نُضجٍ , أمسكت فيها كتابا غنيًّا قيّمًا , حتى إذا ما تجولت عيناي بين السطور , شعرت بكمِّ الجهل الذي يسكن عقلي ، وقَزامَةِ فكري أمام ذاك الفكر العملاق , مما دفعني لاتخاذ القراءة “النافعة” واجبا يوميا لا أتنازل عنه مهما كانت الظروف !

وبالطبع لا أنسى المرة الأولى التي بدأت فيها محاولاتٍ شعرية ، فأنتج اشتياقي لوطني قصيدة لا أدري أين حطت رحالها الآن ! ولا أدري كذلك في أي قاع منْسِيٍّ استقرَّ إهمالي لتلك الموهبة !

لذلك إن اكتشفت موهبة في نفسك فاسع من فورك إلى تنميتها, وبذل الجهود لإتقانها والإبداع فيها, ولا تهملها فتمسي ذاكرة جميلة في زمن غائب .

لا زلت أذكر ذات رحمة وأنس ساق الله فيها إلي تلاوة خاشعة مؤثرة ، انسابت إلى سمعي مصطحبة معها شعورا ندياٌّ يلامس شغاف القلب فأتْبَعَتْهُ قشعريرة تخللت جميع أنحاء جسدي ، كانت سببا لتساقط عبراتِ خجلٍ و تقصيرٍ بحق المولى الرحيم !!

حينها استرجعت ذاكرتي كلمات ثناء انطلقت من فم إحدى زميلاتي أطْرَتْ فيها على النغمة الحزينة التي كنت أتلو بها سابقا، وأدركتُ الشعور الذي انتابها حينما اغْرورِقَتْ عيناها بالدُّموع ، في حين أنني كنت في وقتها أعجبُ كيف لطالبة في المستوى الإعدادي أن تدمع عيناها للقرآن، وأنا القارئة أقرأ بتلك النغمة تلحُّنا وليس تأثُّراً !!

وهل لنبضات قلبي أن تنسى ذلك الشعور المرتبك الذي راودني يوم صعدت على المسرح للمرة الأولى لأتحدث أمام المئات , رهبة المسرح مع عيون المئات المحدقين بك تجعل هواجسا غريبة مشوبةً برغبة بالبكاء تراودك ! ولكن مع الاعتياد واعتبار من هم أمامك أناس لطيفون لا يضمرون لك شرا أو كيدا يهدئ من روعك ويستجمع لك شجاعتك !

ويوم لاحظت زيادة وزني فقررت ممارسة الرياضة لمدة نصف ساعة ، لا زلت أذكر كيف أنني خلال ربع ساعة اختنقت أنفاسي وتلاحقت , حينها أدركت كمية ضعف لياقتي البدنية التي تصرخ وتستغيث لإنقاذها , ولكن سرعان ما تلاشى ذلك الشعور ليحلَّ محلَّهُ شعور بالإرادة الجبارة حينما استطعت ممارسة الرياضة لمدة ساعة كاملة متنقلة فيها بين المشي السريع والآلات الرياضية , لتبقى آثارها محفورة في قلبي وعضلات جسدي !

يجدر بالذكر أن هذه التجربة جعلتني ألتقط سرا من أسرار الحياة , وهو أن الفشل لمرة واحدة لا يعني البتة فشلا أبديا , وبالقليل من العزيمة والإرادة الحرة مع وضوح الهدف , يمكن استبدال الفشل بالنجاح , وإجلاء اليأس بالأمل !

المرات الأولى لا تعد ولا تحصى .. وهي أجمل مافي هذه الحياة ! تنتشلك من لحن روتين الأيام الذي ألفه موسيقي سيئ لم يتقن فن تأليف النغمات ، وأساء استخدام المهارات !!

لن تنسى مشاعرك المبتهجة التي تغلغلت في أعماق شرايينك يوم سافرت للمرة الأولى !يوم قطعت مئات الأميال سباحة ! ويوم تسلقت جبلا للمرة الأولى! يوم امتطيت حصانا ! ويوم قيادتك للسيارة !

وسيظل محفورا في ذاكرة قلبك يوم تخرجك ! ويومك الأول في العمل ! يوم أن تصدقت للمرة الأولى ! ويوم صليت بخشوع تام بعد العديد من الصلوات الخالية من معناها ! يوم دعوت الله بصدق وإخلاص حتى أجهشت بالبكاء لقيلة حيلتك !

يوم أن أحببت شخصا ! ويوم بحت بمشاعر حبك ! يوم زواجك ! ويوم إنجابك طفلك الأول أو طفلتك الأولى !

وكذلك كل المرات الأولى التي ستقترن بأطفالك , ستكون من أمتع لحظات حياتك وأكثرها حبا وحنانا !

لكنني بالرغم من جميع مرّاتي الأولى في كل شيء عشته حتى الآن ، لا أدري متى سأزور القدس للمرة الأولى ! ومتى سأصلي في أقصاها كذلك ! لا زال لدي أفق طموح لأعيش هذه التجربة، والتي لا أدري إن قدر الله لي خوضها كيف سيكون كنه مشاعري حينها !

كل ما أرجوه من الله أن أعيش ساعات وأياما أرى فيها العرب يستيقظون من سباتهم العميق ويهبّون لبناءِ أنفسهم ومجتمعاتهم ، وينتفضون ضد كل من طغى عليهم وتجبّر لتحرير مقدساتهم المسلوبة ، فيتحرر الأقصى من الوثاق الصَّهيونيِّ المشدود على رقابه ورقاب مواطنيه !

لأن من  أجمل لحظات الحياة التي تتمنى فيها أن تتوقف عقارب الساعة عن الحراك لحظة أن تجد لنفسك غاية تدأب عليها بجد وتستشعر جمال لحظات الاقتراب في الوقت ذاته .

لذلك جددوا حياتكم وأوقاتكم , وعيشوا تجارب الحياة بأجمعها المرة تلو المرة , لتتجدد أفكاركم وقلوبكم ويتجدد معها حاضركم ومستقبلكم , لا تشيخوا فكرا وروحا بدعوى التقدم في العمر والاستعصاء على التغيير, فالرسول عليه الصلاة والسلام كان قد بلغ من العمر أربعين عاما حين أوحى الله إليه برسالته الخاتمة , ولم يجد بأسا في أن يدفن عادات قومه ومعتقداتهم في الأرض وكأنها لم تكن ، وأن يؤمن بالدين القويم ويستسلم لتعاليمه حاملا على أكتافه أعباء النهوض به ونشره في بقاع الأرض.

DET Platformالوهلة الأولى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *