رسالة إلى من يحرمون السؤال

No comments

أسامة الخراط

إنّ أول جريمة ترتكب بحق الطفل هي عندما يتم إخراسه أو تجاهله عندما يبدأ بممارسة مهارة السؤال،
فأول ما يبدأ الطفل بالكلام يتجه للسؤال عن كل شيء وأي شيء، مما يسبب الحرج لوالديه والمجتمع المحيط به، والذي تعود أن يكون للأسئلة حدودا معينة ومجالا معينا، وألا تُقبل ويُرد عليها إلا لو سألها من له سلطة وقوة.

أما الطفل فهو بنظر الكثيرين لا شيء، ولا حق له بالسؤال والنقاش، ولا ضرورة للصبر عليه لأن هذا مضيعة للوقت! ومع ذلك وبسبب الفطرة الكامنة في الطفل يستمر يسأل عن كل شيء يصادفه لأن هذه هي الطريقة الوحيدة لاكتشاف العالم من حوله، وقد يسأل أسئلة محرجة في الدين والعلاقات والجنس والاختلافات بين الناس، وعن سبب تصرفاتهم وتناقضاتهم وكذبهم ونفاقهم.

ولكنه بالبداية يسأل أسئلة بسيطة، ولو تجاوب الأهل مع الاسئلة بالرد عليها واحترام أسئلته وعقله، سيبدأ يزيد من تعقيد الأسئلة وجرأتها مع تقدم السنين، بينما لو تم كبته وتخويفه وتجاهله سيتخلى عن هذه العادة للأبد بعد أن ييأس ويتعب من التجاهل، وساعتها يا خسارة، سيفقد هذا الطفل المسكين أي اهتمام بالتفكير والتعمق والفهم، ويميل للتقليد وتصديق كل ما يُقال له، وأخذ كل معلومة تصل له (صحيحة أو خاطئة) على أنها حقيقة كاملة ونهائية.

وساعتها لقد ارتكبنا جريمة بإضافة فرد للمجتمع لا فكر له ولا رأي ولا تدبير، فهو مجرد تابع ينتظر من يُشكِّله ويقوده، وسيكون هذا التشكل بحسب المجتمع الذي وُلد فيه بالصدفة، سواء كان مجتمعا شرقيا أو غربيا، أبيضا أو أسودا، مسلما أو بوذيا أو لا دينيا أو غير ذلك. فهو سيُقلد من حوله مهما كانوا وكيف كانوا بخيرهم وشرهم.

فلو كان من حوله من جماعة داعش فسيكون منهم، أو كانوا من المجرمين والشبيحة فسيكون فردا فيهم، أو من جماعة التحرر أو جماعة الانغلاق فسيكون مؤمنا بكل أفكارهم، ولو كان حظه سيئا جدا فسيصطاده جماعة المدمنين أو الفاشلين أو النصابين أو المكتئبين.

هو مجرد قشة في وجه الريح، لأنه لا يملك فكرا مستقلا يفكر فيه، ولا عقلا واعيا يدله على الصحيح، هو مجرد مقلد فقد القدرة على السؤال وبالتالي البحث عن الإجابة. وسيصبغه المجتمع المحيط به سواء كان خيرا أو شرا، أو خليطا من هذا وذاك. فالسؤال هو الطريقة الوحيدة التي تُحول الشخص من مجرد تابع إلى إنسان حر مفكر مبدع.

والمبدعون أصحاب الاختراقات المهمة في العلم والفن والاختراعات والسياسة والاقتصاد والفكر والدين، كانوا أصحاب تفكير حر، وتجرؤوا على سؤال أسئلة مجنونة بنظر الناس، كما تجرأ آينشتاين يوما وسأل: ما هو الزمن؟ فغير كل مسار العلم في القرن العشرين، وما تزال حتى اليوم إجاباته تلك تولد الأسئلة والأجوبة، وملايين العلماء يتبعون خطاه ويصنعون آلاف الاختراعات بناء على أفكاره، ومثلا لمن لم يعرف، فنظام تتبع المواقع في الجوالات (الجي بي إس) بدون معادلات آينشتاين، وفهمه لطبيعة الزمان والمكان والسرعة والضوء كان من المستحيل أن يعمل بدقة وكفاءة.

فسؤال واحد سأله آينشتاين غير العالم، رغم أن كل الدنيا ساعتها قد أجابت عليه وأقفلت باب الاسئلة حوله، ولكن الطفل في داخله كان ما زال ينبض، وقد قال آينشتاين بما معناه: أن التعليم والتربية للأطفال هي السبب الأساسي في قتل آلاف الفرص للتقدم والتغيير في العالم، ولم أكن أنا مختلفا عن الأطفال الآخرين بشيء إلا في أنني كنت قادرا على رفض كل ما أسمعه ولم أعتبره من المُسلَّمات، بل كنت أعيد التفكير فيه مرة بعد مرة حتى أصل لليقين الخاص بي تجاهه.

وفي عالمنا العربي، أُعيد اليوم فتح باب الأسئلة من الشباب، وذلك بسبب كل هذا الخراب والدمار والدماء والخيبات والفقر والبطالة والتخلف والظلم والاستبداد، فالشباب بدأ يسأل سرا وعلانية، ما هو الصحيح في كل ما تعلمناه عن الدين والله والأخلاق والقيم والمجتمع، وهل كل هذه القيود والأفكار مفيدة أساسا؟ وهل هي سبب دمارنا أم سبب نجاتنا؟

وتأكدوا أن هناك الكثير جدا مما سيتغير في العقود القادمة، ومتاريس كثيرة وضعها المجتمع ستنهار تماما، بسبب الإجابات الجديدة التي سيجدها ذلك الشباب الذي استيقظ، ومن المستحيل أن يعود لتصديق كل ما قلناه له في الماضي لأنه جربه ولم يوصله لأي نتيجة.

السؤال هو جوهر الإنسانية، وأنت حي ما دمت قادرا على أن تسأل وتشكك وتفكر.

DET Platformرسالة إلى من يحرمون السؤال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *