طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد

No comments

لفقير حسام الدين

جرع الكواكبي مرارة الاستبداد والقمع والمنع، فألف كتابه الذي بقي خالدا في التاريخ “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، الذي يعد بيانا ثوريا في وجه الاستبداد الذي كان جاثما على الشرق ومعه شمال إفريقيا.

يعرض هذا الكتاب لفلسفة الكواكبي في الفكر السياسي والاجتماعي في تمهيد وتسعة فصول؛ (ما هو الاستبداد، الاستبداد والدين، الاستبداد والعلم، الاستبداد والمجد، الاستبداد والمال، الاستبداد والأخلاق، الاستبداد والتربية، الاستبداد والترقي، الاستبداد والتخلص منه).
 

تمهيد:

يبدأ الكاتب بتوضيح سبب اهتمامه في موضوع بحثه، فيقول أنه وخلال بحثه الذي امتد ما يفوق 20 سنة عن الانحطاط وأسبابه، وصل إلى أنّ جميع الأسباب تتفرع من داء واحد ألا وهو الاستبداد، يطرح الكاتب في بداية هذا الكتاب مجموعة من الأسئلة التي يحاول الإجابة عليها لاحقا: ما هو الاستبداد؟ ما نسبته؟ وما عواقبه؟ وما دواءه؟

ما هو الاستبداد؟

يقول الكواكبي أنّ الداء في الاستبداد هو تغلب السلطة على الشريعة، والدواء هو تغلب الشريعة على السلطة (لا يقصد الشريعة الدينية فقط بل الوضعية أيضا)، ويقول في تعريف الاستبداد أنه: “غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة والاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة”.
وحكومة المستبد قد تكون على أشكال:
– حكومة الفرد المطلق الذي تولى الحكم بالتغلّب أو الوراثة.
– حكومة الفرد المنتخب متى كان غير مسؤول.
– أو حكومة مستبدة بالكلية إذا غابت سلطة الرقابة والقانون.
ويقول في هذا “إن من الأمور المقررة طبيعيا وتاريخيا أنه ما من حكومة عادلة تأمن مسؤولية المحاسبة بسبب غفلة الأمة أو التمكن من إغفالها إلا وتسارع بالتلبس بصفة الاستبداد، وبعد أن تتمكن فيه لا تتركه وفي خدمتها إحدى الوسيلتين العظيمتين: جهالة الأمة والجنود المنظمة.
ثم يقدم الكواكبي في عدة فصول علاقة الاستبداد بالمكونات الاجتماعية للأمة.
 

الاستبداد والدين:
يحاول الكاتب في هذا الفصل دحض الفكرة القائلة بأنّ الاستبداد السياسي أصله في غالب الأحوال استبداد ديني، ويوضح أنّ المشكلة تحصل حين يدور الدين في فلك السياسة بدل أن يكون المتحكم فيها والمنظم لها، بمعنى أن المستبد هو الذي يستعين على الرعية بالدين حين يوظف بعض رجاله لإضفاء صفة القدسية على أفعاله.

الاستبداد والعلم:
يبدأ الكواكبي هذا الفصل بتشبيه غاية في الدقة إذ يقول: “إنه ليس من صالح الوصي أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك ليس من غرض المستبد أن تتنور الرعية بالعلم”.
ويؤكد عبر العديد من الشواهد أن بين الاستبداد والتعليم حربا دائمة إذ يسعى المصلحون إلى تنوير العقول ويجتهد المستبد في إطفاء نورها، حيث أن الناس إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا ورضخوا.

الاستبداد والمجد:
يعرف المجد أنه إحراز المرء مقام حب واحترام في القلوب وهذا لا ينال إلا بالبذل في سبيل الجماعة .
ويوضح أن الداء في طلب المجد عن طريق التزلف والتملق للمستبد وطلب رضاه، فتتكون حول المستبد طبقة من الفاسدين يسخرهم المستبد لجلد ظهور الرعية.

الاستبداد والمال:
عندما ناقش الكواكبي علاقة الاستبداد بالمال كان يقصد بذلك دراسة أثر الحكومات الاستبدادية على الحالة الاقتصادية للبلاد، فيرى أن العدالة تقضي بأن يأخذ المتعلم بيد الجاهل، والغني بيد الفقير، ولقد حضّ الإسلام على ذلك، ففرض الزكاة التي يعطيها الأغنياء للفقراء، وحرّم الربا؛ لأن الربا عندما ينتشر في مجتمع فإنه يقسّمه إلى سادة وعبيد، كما يكون سبباً في ضياع استقلال الأمم النامية.

والحكومات الاستبدادية هي السبب الرئيسي في اختلال نظام توزيع الثروة في المجتمع، فهي تعطي رجال السياسة ومن يلحق بهم نصيب الأسد من مال الدولة، مع أن عددهم لا يتجاوز واحدا في المئة من الشعب، بينما يعيش باقي الشعب في شقاء وبؤس، وتيسّر للسفلة طرق الكسب غير المشروع بالسرقة، ويكفي لأي شخص أن يكون على علاقة بأحد رجال الحكومة ليسهل له الحصول على الثروات الطائلة من دم الشعب.

الاستبداد والأخلاق، الاستبداد والتربية:
تحدث الكواكبي بعد ذلك عن أثر الاستبداد في فساد الأخلاق، فالاستبداد يُضعف الأخلاق الفاضلة أو يُفسدها، ويغيّر أسماء الأشياء ويلعب بالأخلاق، ففي ظل الاستبداد تكون الشهامة تطفلاً، والإنسانية حمقاً، والرحمة ضعفاً، بالضبط كما يُسمَّى الكذب مجاملة، والنفاق سياسة!
ويلخص الكواكبي العلاقة بين الأخلاق والسلطة في عبارة جميلة فيقول: “إن الأخلاق أثمار بذورها الوراثة، و تربتها التربية وسقياها العلم، والقائمون عليها هم رجال الحكومة”.

الاستبداد والترقي:
يقصد الكواكبي بالترقي حيوية المجتمع ونشاطه أو ما يطلق عليه مالك بن نبي فاعلية المجتمع أي إيجابيته وقدرته على التقدم والإبداع، ويرى الكواكبي أن الاستبداد أشد أعداء الترقي فهو يمتص طاقة المجتمع فيغدو الإنسان لا هم له إلا عيشه وقوته وأمنه، فيعيش خاملاً حائراً بلا هدف في ظل الاستبداد.
 

كيفية التخلص من الاستبداد:
في آخر فصل من الكتاب يبحث الكواكبي وسائل التخلص من الاستبداد، وهو يرى أنّ الاستبداد لا يقاوم بالقوة، إنما يقاوَم باللين وبالتدريج، وذلك بنشر الشعور بالظلم، وبالتعليم والتثقيف، ويجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ما سيحلّ محله، حتى لا نستبدل الاستبداد باستبداد آخر، ويجب أن تنتشر الرغبة في الخلاص من الاستبداد بين كل طبقات الشعب، فيتلهّفوا جميعا لنيل الحرية، وتحقيق المثل الذي يحلمون به، عندئذٍ لا يسعُ المستبد إلا أن يستجيب طوعا أو كرها.

DET Platformطبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *