مسيرة إرادة في طريق النهضة

No comments

روان دغمش

سبعُ سِنين عِجافٍ خلَت، والثَامنةُ قد أقبلَت، وعلى الرَّغمِ ممّا حملَت لنا مِن هَولِ البلاء، إلا أنّها عَمَدَت في أحداثِها إلى رفدِنا بتجارِبَ الحياة، التي خالَطَها تعبٌ وجهدٌ مُضنٍ، واستطاعت أن تنتشلَنا مِن قاعِ التقاعُسِ عنِ المُبادرةِ، لتأخُذَ بأيدينا فتعلوَ بنا نحو ما هو أسمى، رُبما لتصنعَ إنساناً يصُوغُ من بَذله وإرادته ودمِهِ أرقى العبارات، في أوقاتٍ تقطَعت بها أسبابُ الخَلاصِ دون َالتَمسُّك بحبل النّجاةِ بإحكامٍ وثباتٍ.

ولاشكَ أنّ الأملَ معقودٌ بينَ جدائل العزيمةِ والسَعي للتميُز، بل إنهُ طَيفٌ باعثٌ على الإقدامِ لما يُضفي من السَكينةِ و رُوحِ الطُموحِ، وليسَ ذلك إلا للذي شدَّ الرِّحالَ تأهُّباً لِدثرِ كلِمة المُحالِ وطَمس معالِمِها، فإذا ما تخلَتِ الظُروفُ عن دعمِ حاجتِنا واحتِضانِ فكرِنا، نهضْنا من بينِ الرُكامِ لنصنعَ فُرصتَنا بغيرِ استكانةٍ للأحداثِ والخُطُوبِ، كي نستثمِرَ طاقاتٍ أوشَكَت أن تكونُ دفينةَ الحُرُوبِ، فما أجملها من غنائمَ  تلك التي تُحَرّرُ فِكراً أُودِعَ في عُقولٍ عظيمةٍ، وتجعلُهُ يُعانقُ السماءَ.

وبعد..

لم أكُن أتصورُ يوماً أن نعيشَ واقعاً يتجرعُ من المُعاناةِ والألمِ مرارةً من حولنا، ذاكَ المُحيطُ الذي يُضاهي ما كُنتُ أُعاينُهُ بعينِ العقل في تاريخِ الأُممِ الخالية، إذ لم يكُن حاضراً أمامي على مَسرح الأحداثِ سِوى عندما تَشَخّصَت تفاصيلُه بواقعيةٍ وكادت تَشْخَصُ معَه الأبصار، ليتحولَ ذاك المشهدُ المُجردُ إلى محسوسٍ في ظُرُوفِ القهر والدمار، نعم.. لم يصل إدراكي إلى ماهيتِها.

رُبما أعزو الأسبابَ إلى صَفاراتِ الإنذارِ تلك، الّتي لم تُبلغْنا أنّ شيئاً من هذا القبيلِ مُقدِمٌ نحونا بعدةٍ وعَتادٍ، رُبما كي لا تَضنَّ على عَيشِنا الهانئِ، الذي باتَ يركُنُ للرَّاحةِ والسُّكون، والذي ما كان بمُلهَمٍ أن يكونَ له مما أتاهُ نصيب. أمّا الآن أقولُها بصدقٍ وثِقةٍ، أنْ لا شَيءَ سيغدو مُستحيلاً بعد اليوم! لأننا نحن من سيصنعُ المُستحيلَ بإعمالِ عقولنا، وتوجيهِ فكر هذا النشء نحو العلم والمعرفة.

فليسَ الَمُستحيلُ عَصِيَّ سواعد المُناضلين، لأننا نحن وآلةُ الزمن في سِباقٍ طويلٍ مُستمرٍ إلى أن يُؤذَنَ له بالوقوف، ولعلّنا نستأنفُ عَدْوَنا بعد التعثر، لنلحقَ بعقاربِ الساعة تلك، التي تخلّفنا عنها بجسدٍ وفكرٍ هزيلٍ، عسى أن نلتمسَ حِرزاً يَقِيَنا من تيهٍ سحيقٍ، فلنغزوا المكتباتِ كمُهاجرٍ حنّ للأهل والرّفيقِ، يلقاهُمُ من بعد الغُربةِ، ولِنأيِهم بعدها لا يكاد يُطيقُ. أو كفراشةٍ حطًت على زهرةٍ بجناحٍ رقيقٍ، وإذا بها لا تكتفي، ولأُختِها قد سافرت كي ترشفَ من ثغرها الرحيق، فعسى من بعدِ غيابٍ ننفضُ غُبارَ هجرٍ قبَعَت على رَفٍ رشيقٍ ونُلبّيَ صوتَ نِداءٍ عميقٍ يَئِنُ بين سُطُورِ كِتابٍ عتيقٍ. أَّمَا من سبيلٍ؟ أَمَا من صديقٍ؟ أم أنّ أُمةً ضلَتِ الطّريق؟! وكيفَ تَضِلُ بغَدوِها تقرأُ؟! فريقٌ هُنا، وهُناكَ فريق.

فها هيَ قُرطُبةُ شاهدٌ على أصالةِ حضارتنا التي وصلت إليها، إذ كانت منارةَ الفِكرِ والعلم لمن أرادَ أن يلتمِسَ نوراً، في أوج القوة والازدهار، قرطبةُ التي استقبلت طُلابَ البَعَثاتِ العِلمية من كافة البلاد، ولا سيما من “أَوْرُبا”، إذْ غدَت في ذلك الحين مَرتعَ الفقرِ والجَهلِ والتخلف، بل والتسول أيضاً.

لتنهضَ من ظلامِها المُدقع بما أغدقنا عليهم من عِلمنا الوافر، فتتفوقَ على علومنا، وتشهدَ بطورِ انفتاحها على تلك الحضارة العريقة مظاهرَ العمران والرُّقيّ، إذ باتت بترقُبٍ تنتظرُ تلك الريح الّتي عصفت بأمتِنا لتُضعفَها، فتراها تُقيمُ مجدَها على حُطامِنا اليوم! وها هي عصورُها الوُسطى تنقُلُنا إلى مشهدٍ من مشاهد الجهل والخُرافة التي سكنت أورُبا في كُل زاويةٍ ورُكنٍ، إذ باتت تفرضُ معتقداتها على شعبِها، وتحارب كل عالمٍ أو فيلسوفٍ أو مفكرٍ يدخل الكنيسةَ بفكرٍ جديدٍ لا يُناسبُ أهوائها، ويُحكَمُ عليه بالقتل!

وما هو جديرٌ بالذكرِ أنّ فوضى عارمة أصابتها آنذاك، بسبب تلك السّطوة والاستبداد من قِبل رجال الدين، حيث تجاوزت صلاحياتُهم أُفقها، فتسيطر سياسياً أيضاً، ومع تلك الإرهاصات والنِزاعات التي أصابتها، وغضب الشعوب وثوراتهم على ذلك الحكم المستبد، تبدو اليوم على غيرِ صورتِها في العصور الوسطى! حيث أصبحت تتصدر المحافل الدَولية، لتُحدِّثَنا عنِ الإرهاب وتدعوَ إلى الحريةِ وحقوقِ الإنسان!

 

ومازلتُ أسأل نفسي “أيُعقَلُ أن تغدوَ السفينةُ التي بنيناها بأيدينا، قادة الغربِ قُبطانها، وشُعُوبَهم رُكابها؟! ونحنُ أحقُّ منهم بركبِنا ذاك، ليأتيَ بعدها على ذِكري، أنّهُ ما دامَ لم يُؤذَنْ للسّاعة بعد، وما زلْنا نُبصِرُ الليل يعْقُبُه النهار، والأرضُ مازالت تسيرُ في فُلكِها، وكُلُ ذي زَرعٍ يُؤتي أُكُلَه، فإننا قادرون على التّغيير وصنعِ المستحيل، ولو بدا أمرُنا كزهرٍ ينمو بين الثلوج، فلا شكَّ أنّ الشمسَ ستشرقُ من جديد، والثلج حتماً سيذوبُ، لا أن نكتفيَ بتقليبِ أكُفنا حسرةً على ما فات.. ولنا قدوةٌ في عظيمٍ، عاشَ يتيمَ الأبوينِ، فتياً يرعى الأغنامَ، ربيباً في كَنَف جدّه، ومن ثَمّ عمّه، كهلاً، يغدو بعد حينٍ سيدَ العرب، وسفيرَ السّلامِ بين الأُمم، وصاحبَ الرّسالةِ المُقدّسة، إنّهُ مُحمدُ بن عبدِ اللّه (صلّى اللّهُ عليه وسلّم) الذي أدرَكَنا من الغرق في وثنيةٍ مقيتةٍ، وتحمّلَ المشاقّ لينجحَ في نشر الرّسالة، وتأديةِ الأمانة، وما رحلةُ عيسى عليه السلام وباقي المُرسلين بمنأى عن رِحلة مُحمدٍ صلى الله عليه وسلم في طريق الحقّ والفضيلة.

أم ذاكَ القائدُ الذي واريناهُ تحت التُّراب، يأتي إلى الدُّنيا.. في ليلةٍ حزينةٍ، لم يُرَ في قُدومه خيراً في وقتٍ عَصيبٍ، إذ تزامنت آلامُ المخاضِ ومَولِدُه معَ رحلتهم خارج القلعة، كما أمر الخليفة ُأباه، الأمرُ الذي بعث في نفس والده التشاؤم، ولم يدرِ أنه من تلك الليلةِ البائسة المشرقة انبلجَ نورُ الفجر مُعلناً أنْ أبشروا، هذا يومٌ جديدٌ، بل هذا نصرٌ جديدٌ، إنّهُ فاتحُ بيت المقدس، صلاحُ الدّين الأيوبي.

ودعْني أتلو عليكم ذكراً عن ضريرِ العينينِ ذاك، الذي لم يكُن له من نور الحياة قَبَسٌ، وباتَ قلبُهُ مُبصِراً، يغدو حكيماً، صاحب خُلُقٍ قويم، وهمةٍ عالية، ذو الأربعة عشر عاماً، شاعرٌ ذائع الصيت! برعَ في علومٍ كثيرة، فأيُ إرادةٍ تلك التي جعلته يسيرُ بنور الفؤاد والبصيرة؟! ونقول إنْ كانتِ الأقدار والظروف ستسوقُ لنا كأمثالِ أولئك العُظماء، مَنْ شيمتهمُ العزيمة والإرادة والرُقي، فمرحباً بها إذا.

وكي لا نتحيزَ بذكر فضل أبناء أمتنا العرب وغيرِ العرب، ننسبُ العطاءَ لكلّ من كان رمزاً يُحتذى بحذوهِ في تخطّي العقبات، منَ الذين ما نهضوا إلا من بعد التّعثُّرِ والمُكابدة، فهذا أديسون، قد توجهت إليه أصابع الاتهامِ لتصفَهُ بالفشلِ وانعدامِ الرّغبة في العلم، وإذا به يغدو بالتجربة والإلهام مخترع الكهرباء!

أم هيلين كيلَر، التي أصابها مرضٌ جعلها تفقِدُ السّمعَ والبصر، وتُمضي ضريرة العينينِ رحلةَ النضال ضد الظّلم والاستبداد تارةً، ونضالها في صنع ذاتها تارةً أخرى، لتغدوَ من مشاهير الأُدباء رغم الإعاقةَ!

 

وفي الخِتامِ أقولُ:

أَمَا حانَ للمُحالِ أن يُصبحَ طريد أّذهانِنا؟      يصُدُّهُ عنها إبداعُنا بحصن عن أسرها..
أَمَا حانَ للامِ المُحالِ موعداً لرحيلِها؟         أم أنها أبَتْ إلا وأن ترتحِلَ بنا على ركبِها؟!

فأخبرني كم سنُنفقُ من الدهرِ بحبورٍ نرعى لها؟!   ومتى تغدو راءُ المحارِ تسيدُ على عرشها؟؟
لِنَسعَدَ، وتَسعَدَ بلؤلؤٍ مخبوءٍ بدا كوليدِها             وتغدو القفارُ رياضاً بحُسنها تعلو إلى الخُلدِ بأبنائِها

DET Platformمسيرة إرادة في طريق النهضة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *