التنمية الذاتية (البشرية) والساخرين منها

No comments

أسامة الخراط

مصطلح التنمية الذاتية (وهو المصطلح الدقيق بدل التنمية البشرية) يثير كثيرا من الارتياب عند الناس اليوم، والسبب الأساسي هو الجهل بهذا المجال وأيضا عدم نضج مناهجه، والثاني أنه قد جرى استغلال الاسم بشكل خاطئ، كما هي عادة البشر في محاولة استغلال أي شيء وتحويله لسلعة تجارية وبعدها غش هذه السلعة واللعب بها وتقديم شيء زائف بدل السعة الأصلية المفيدة.

والأمر هذا طبيعي ويجري في كل القطاعات، فالزراعة مثلا مهنة شريفة، ولكن عندما يحولها السيئون لتجارة استغلالية بالتعديل الجيني للمحصول ليدر كميات هائلة ولكنها لا تحمل قيمة غذائية بل مجرد شكل، وعندما تفرط في المبيدات الحشرية والهرمونات والأسمدة المنشطة واستنزاف التربة مع علمك أن كل هذا سيدمر صحة الناس والبيئة التي نعيش فيها، ساعتها قد يلعن الناس الزراعة والمزارعين، ولا يعني هذا أبدا أن الزارعة بالأصل شيء سيء وغير مطلوب.

نأتي الآن للتنمية الذاتية وأريد أن أبسط لكم الأمر (حسب وجهة نظري) وأعرفه بأنه المجال الذي يساعد الشخص على تنمية ذاته ليكون أفضل نفسيا وجسديا وعقليا وسلوكيا حتى ينعكس ذلك على أدائه ونجاحه وجودة حياته، وأقصد بجودة الحياة هي رفع جودة الشعور بالسعادة والرضا والاستقرار النفسي.

ولا أظن إنسانا عاقلا يمكنه رفض هذا المطلب الضروري والحيوي لحياته، ولكن المشكلة تأتي من اختلاط هذا المصطلح وتداخله مع عدة مجالات أخرى في الحياة منها: علم النفس، الطب النفسي، الإرشاد النفسي، الإدارة والقيادة، الدين، الأخلاق والسلوك، الصحة، علم الاجتماع وعلم التربية وغيرها.

إذا ما هو الحل في هذا التداخل الكبير جدا؟ والجواب البسيط هو أننا نحتاج إلى تنظيم مجال (التنمية الذاتية) واقتراح وتطوير مناهج واضحة فيه، والأهم أن تكون مبنية على نظرة شاملة للإنسان وهذا شيء مهم جدا جدا، أنت لست جسدا أو عقلا أو روحا، أنت شيء واحد يحتوي على كل تلك الجوانب ويجب أن نتعامل معك على هذا الأساس لو كنا نحترمك كإنسان حر ونريد مصلحتك وليس المتاجرة بك كما يحصل حاليا.

والتنمية الذاتية يجب أن تُعلّم الناس كيف يتعاملون مع أفكارهم وعقولهم ومشاعرهم وأجسادهم وأكلهم وشربهم وتنفسهم وحركتهم ونومهم ورغباتهم الجنسية وسلوكهم الأخلاقي وفهمهم لدينهم أو معتقدهم والتخطيط لأهداف حياتهم وتطوير مهاراتهم، وأخيرا الرفع المتواصل لإحساسهم بالسعادة والاستقرار (بغض النظر عن الظروف المتقلبة حولهم).

وأيضا التعامل الصحيح مع المحيط الاجتماعي حولهم على المستوى الاجتماعي كبشر، والسياسي كمواطنين، ويكون لكل ذلك منهج خاص موحد بالأصل ولكنه متدرج حسب كل طالب ومستواه وتطوره، ويبدأ الطالب بتلقي هذا المنهج من السنوات الأولى من التعليم، ويستمر المنهج بترقية الطالب حتى في فترة الجامعة وحتى بعد انتهاء الدراسة يستمر الإنسان يرتقي به من خلال العمل والمؤسسات التي ينخرط بها، وأقترح أن يكون عنوان هذا المنهج (التنمية الذاتية).

الخلاصة:

أعرف أن هذا المطلب صعب جدا تطبيقه حاليا في الوطن العربي لأسباب مختلفة، أهمها أن الفهم والوعي هذا غير منتشر بين الناس، بالتالي لو أزلنا مادة الرياضيات أو الدين من المناهج سيحتج الناس بشدة، ولكنهم لا يحسون حاليا بأي مشكلة لغياب منهج للتنمية الذاتية.

والمشكلة الأخرى باعتقادي أن رجال الدين والسياسة ومن يضعون السياسات الكبرى للدول المتخلفة، لا يهمهم كثيرا أن يصل الفرد لدرجة وعي كبيرة ويعرف حقوقه وواجباته كإنسان ومواطن، لأن هذا سيجعلهم أفرادا أحرارا مستقلين نفسيا وعقليا وماديا وغير خاضعين للابتزاز والتضليل عبر مختلف الوسائل، وهذا سيضعف من سلطة الفاسدين والمستبدين وسينهيها بدون شك خلال عقود بسيطة.

والحل الوحيد حاليا مع غياب المناهج هو أن يحاول كل فرد بشكل منفرد الوصول لمنهج (التنمية الذاتية) المناسب له وتجميعه بجهد ذاتي منه، ويضع نفسه ومن هو مسؤول عنهم على مخطط واضح مقاس بالدرجات للتطور في هذا المنهج المتكامل، ومن يملكون المال يمكنهم الاستعانة بشخص محترف يساعدهم وقد يُسمى هذا الشخص: مدربا أو (كوتش) أو مستشارا أو مربيا أو مرشدا نفسيا (سابقا كان الملوك يدفعون مبالغ كبيرة لأحكم علماء البلد ليرافق أبنائهم ويسمونه المربي، فهو من كان يعدهم نفسيا وروحيا ليكونوا قادرين على حكم دول ومسؤوليات كبيرة).

والاسم ليس مهما بل الفيصل في الأمر أن يتمتع هذا الشخص بأمرين: أن يكون قد نجح فعلا في تنمية ذاته لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن يملك منهجا وطريقة صحيحة لمساعدة الآخرين على تنمية ذاتهم.

أعرف أنها مهمة شاقة وأنا نفسي عانيت جدا في الوصول لمناهج ومعارف مفيدة مع أني من المفروض أن أكون مؤهلا لهذه المهمة لأني أحمل الماجستير في الشريعة والقانون وأعمل منذ 14 سنة في مجال الثقافة والنشر والإدارة، وقد تعرفت بشكل شخصي على مناهج متعددة في سورية ومصر والخليج، صوفية وسلفية للتربية والتهذيب والسلوك.

فما بالك بالفتاة أو الشاب البسيط، أو حتى الشخص الغير متخصص في الشأن الثقافي والفكري ويعمل (مهندسا، عالم فيزياء، طبيب، تاجرا وغير ذلك) والذي لا يعرف عن التنمية الذاتية إلا ما يسمعه في الإنترنت، وهو خليط كبير فيه الجيد والسيء والحقيقي والوهمي ويضع الإنسان في حيرة كبيرة، والإنسان دائما عدو ما يجهل.

أخيرا موضوع التنمية الذاتية هو أمر بدأ منذ آلاف السنين وفي حضارات الشرق أولا والغرب لاحقا (وله عشرات التسميات) وقد وصلت الشعوب التي اهتمت به لمراتب كبيرة جدا في التطور والابداع والحضارة، لأن المعادلة للموضوع واضحة جدا وهي وجود أفراد يتمتعون بالسعادة والاستقرار والصحة الجسدية والعقلية، هو مطلب أساسي لنشوء أي حضارة قوية ومستمرة، الناس المرضى واليائسين والمحبطين والغاضبين والتائهين عبء على أي مجتمع ومصدر للمشاكل والحروب والخسائر.

ملاحظة أخيرة مهمة: يبدأ إنشاء الفرد الصحيح والسليم عقليا وروحيا ونفسيا من أول يوم يقرر فيه رجل وامرأة الدخول في الفراش وإنجاب طفل لهذه الحياة، وعدم فهم هذا العمق في التأثير والذي بدأت الدراسات العلمية تدركه، هو أمر خطير لأن البدء متأخرا في التنمية الذاتية للفرد يجعلها من أصعب المهمات في الحياة وكلما بدأت أبكر كان الأمر أيسر، والتعليم في الصغر كالنقش على الحجر (والبداية هي في النية حين تضع نطفة في رحم امرأة وكم هي هذه النطفة صحية وقوية ومن هي البويضة التي استقبلتها).

ولو رجعت للتراث القديم ستجد آلاف القصص وأبيات الشعر والحكمة وعلم الفراسة والأنساب التي تقول لك انتبه أين تضع نطفتك وانتبهي من هو أبو ابنك، وتطور هذا اليوم ليصبح أعمق وأكثر شمولية، وساهمت بذلك الدراسات الطبية والعلمية وعلم الأجنة والجينات وتحليل الدم والنطاف، وتطور مدارس علم النفس والسلوك وطب الأعصاب وطريقة عمل الدماغ، لذلك لو أردنا تغيير الواقع الحالي يجب العمل على نشر هذه الثقافة بكل عمق وشمولية ومنهجية.

DET Platformالتنمية الذاتية (البشرية) والساخرين منها
قراءة المزيد

التسويق الإلكتروني

1 تعليق

التسويق الإلكتروني أو التسويق الرقمي E-Marketing, Digital Marketing

نقصد به استخدام وسائل التواصل الإلكتروني والقنوات الرقمية، للتواصل مع العملاء حيث يقضون معظم وقتهم.

سبب تسميته بالتسويق الرقمي: اعتمادنا على الحاسوب والأجهزة الرقمية التي تتعامل مع البيانات بشكل رقمي (0,1) لتعالج هذه البيانات المدخلة وتخرجها على شكل مرئي يؤدي الغرض المطلوب.

إن انتشار وسائل الاتصال الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي وانضمام الملايين من المتابعين أو المشاركين فيها، جعلها بيئة مناسبة للتجارة والتسويق وكسب المال بين الطرف المنتج والجمهور المستهدف.

DET Platformالتسويق الإلكتروني
قراءة المزيد

الانحدار الأخلاقي بين الحاضر والماضي

No comments

رحاب بكار

هل كانت المجتمعات السابقة خالية من الانحلال الاخلاقي؟ هل كانت مجتمعات سليمة 100%!

أليست عادة البكاء والنحيب على الماضي من عادات الإنسان التي لا تتغير! هل نستطيع القول أننا نجيد تمثيل دور الضحية بشكل جيد دائما! هل سنبقى على ما نحن عليه نراقب ونحلل ونندب حظنا ليلا ونهارا في الجرائد وعلى القنوات، لا نجيد سوى الكلام والتساؤلات التي لا تغير من الواقع شيئاً!

إذا كان السؤال بداية البحث عن الحل فلماذا لم ننتقل لمرحلة الحل بعد سنين وعقود من طرح الأسئلة وتضييع الشعوب وتنفيرها من واقعها؟

لا نستطيع إنكار إنجازات عصرنا هذا العبقرية والتغني بالعصور السابقة، أو إنكار الفنون والآداب والاكتشافات.

مشكلة عصرنا هذا في نظري هي الشفافية الزائدة لأن شعوبنا العربية غير معتادة على هذه الشفافية،
لكن وسائل التواصل الاجتماعي أزالت تلك السرية التي كانت تغطي حياة الكثير وأفكارهم. فوسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، وفي مجتمعات غير معتادة لا على حرية الرأي ولا على احترام آراء الآخرين ولا على حرية الفكر هي سلاح قاتل. وسائل التواصل كشفت لنا كل القشور والأغطية عن عقول الكثير، وعن ثقافات المستخدمين لها.

نسب انعدام الثقافة والجهل مخيفة جداً ولكن أيضا لا ننكر كمية الثقافة والتحضر التي نراها. كل فيديو أشاهده على اليوتيوب أقرأ التعليقات التي في أسفله، وفي الغالب تكون التعليقات مثيرة للاشمئزاز، حتى ولو كان الفيديو يحوي خبراً علميا أو اكتشافا جديدا أو مسابقة ما.

لا أفهم سبب انتشار فواحش الكلام في كل مكان وعن كل موضوع، وهل كانت هناك مشاكل مماثلة لهذه في العصور السابقة، ولكنها في عصرنا هذا وصلت إلى وضع لا يحتمل أبداً!

عندما أتخيل أنّ عدداً كبيراً من الناس يحمل في رأسه هذا المستوى من الكلام المقزز لا أستطيع تقدير حجم ثقافته التي تعب عليها. ولا يمكننا فقط التحدث عن الانحلال الأخلاقي الحاصل الآن لأنه في العصور السابقة أيضا كان هناك انحلال أخلاقي وكل زمن كان يعاني من مشكلة ما، وفي كل عصر مفهوم آخر عن الانحلال الأخلاقي وحد مغاير له.

في كتاب قرأته للدكتور مصطفى محمود كان يتحدث فيه عن شرور الأرض وأنها من طبيعة الكون، الشر مخلوق قبل أن يوجد البشر وحيث تكون الحرية يكون الخطأ وما خطيئة آدم إلا رمزا للحرية.

فهل نستطيع اعتبار كل هذه الأخطاء ضريبة للحرية التي قدمتها لنا وسائل التواصل الاجتماعي!

 

DET Platformالانحدار الأخلاقي بين الحاضر والماضي
قراءة المزيد

الشاب العربي بين التغيير والرِضى بالمصير

No comments

مجد محمد بكسراوي

كل الذي غيّرناه إلى اليوم لم نستطع تغييره بعد!

لنفكّر بالأمر من زاوية أخرى، يمكننا اليوم التفكير بتغيير جميع الأشياء الخارجية الخاصة بنا، يمكنك تغيير منزلك مثلاً، ثيابك، هاتفك، قصّة شعرك، ويمكنك تغيير طريقك إلى عملك أو مدرستك؛ كل هذا أصبح تحقيقه سهلاً لدرجةٍ ما، لكن هل فكّرت يوماً مثلاً أن تغيّر مواعيد نومك التي اعتدتها منذ سنوات؟

هل فكرت أنه لربما هناك خلل بسيط في طريقة التفكير بالأمور الروتينية اليومية ويجب تغييرها لتتناسب مع طبيعة وجودك؟ فكّرتَ مثلاً بتغيير طرق تعبيرك عن مشاعرك تجاه من تحب أو تكره؟

أنا فكرت، فعلى سبيل المثال دائماً ما وجدتُني لا أستطيع النوم بلا ضوء، تصالحتُ مع نفسي مرّة وجربت النوم بعد إطفاء ضوء الغرفة أُسوةً بباقي الناس على هذه المعمورة! بعد عدة أيام قليلة من المحاولات نجحت بتغيير أمرٍ اعتدته طوال سنوات طويلة.

كنت أكره الفطور الصباحي أيضاً فما أذكر مرةً واحدة أنني تناولت فطوراً ثم خرجت من المنزل لممارسة الحياة المُعتادة، بل كنتُ أعطي القهوة مساحة صباحية كبيرة دون التفكير بتناول فطور بسيط قبلها، اليوم أنا لا أستطيع شُرب قهوتي قبل طعام الإفطار!

بدا لي بعد عدة محاولات للتغيير الداخلي أنّ الأمر مسألة اعتياد وبهذا يكون تغيير بعض الأمور التي اعتادتها النفس أسهل مما نتوقع، فالنّفس على ما اعتادت عليه.

ما هو التغيير الحقيقي الصعب إذن؟!

أن تُغيّر مجتمعا، أن تجعل التّسليم للمصير (القدر) يتزامن تماماً مع اللحظة التي تقوم فيها بالتغيير، أن تقوم مثلاً بثورةٍ تُسقِط فيها كل فكرة متشرذمة أُدخِلت عنوةً إلينا.

لم أقصد بكلمة “ثورة” ما أصبحنا نفهمه من مفهوم الثورة، فثمان أو تسع سنوات في عالمنا العربي كانت كفيلة أن تقلب هذا المصطلح رأساً على عقِب.

إنّ ما نعيشه اليوم من حروب فاشيّة هي بالنهاية حرب نفوس وليست حرب سيوف، وسبب وجودها؟! ثوراتٌ تعدّت مفهوم الثورات لتصِل إلى حربٍ نفسية طاحنة مع بقايا الذاكرة والعقل دون تغييرٍ يُذكر على أرض الواقع.

هناك مقولة أو لربما هي حكمة لا نعلمُ حكيماً لها تقول: “انظر لنصف الكوب الممتلئ”، عزيزي القارئ، انظر لنصف الكوب الفارغ واملأهُ بما استطعت!

لو اعتبرنا جدلاً أنّ النصف الممتلئ هو من المُسلّمات أو الأمر الذي وقع ولا يمكن تغيير حدوث وقوعه (مصير)، فإنّ ملء النصف الفارغ يُعتبر تغييراً لأنه بطبيعة الحال وإن لم يُغيّر جزءاً بسيطاً من تركيبة السائل الموجود في النصف الممتلئ فإنّه وعلى أقل تقدير سيُغيّر شكل الكوب بالكامل (تغيير).

وعليه فإنّ محاولات التغيير المجتمعية اليوم أصبحت صعبة لوجود عوامل نفسية وبقايا حروب تمنع نجاحها، فهل نترك التغيير ونرضى بالمصير؟
بالتأكيد لا، إن كان تغيير المصير مستحيلاً فيجب أن نبدأ بملء نصف الكوب الفارغ في محاولة لتغيير شكل الحرب التي صُنّعَت ضمنيّاً في مجازات تفكيرنا، نبدأ بنقد ونقض الأفكار المشوّهة التي لا نعلم مصدرها، نحن بحاجة اليوم إلى ثورة فكرية متكاملة!

نعم هناك احتمال أن لا نشرب أنا وأنت من هذا الكوب الممتلئ، لكنّ ملأَه سيكون لاحقاً حجر أساس يعتمد عليه الجيل القادم بأطيافه وأصنافه المختلفة.

تذكّر، إن لم نحاول فسلامٌ على دنيا مررنا فيها مرور البخلاء!

وبما أن موضوعنا عن التغيير، وجب علينا أن نعتمد القاعدة الأساسية في هذا الموضوع: “إنّ الله لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتّى يُغيّروا ما بأنفسهم”.

اقرأ، تعلم، اعمل، تثقف، شجّع، ساعد، آمِن، يسّر واصبر. ولا تنس مَلء النصف الفارغ!

DET Platformالشاب العربي بين التغيير والرِضى بالمصير
قراءة المزيد

رسالة إلى من يحرمون السؤال

No comments

أسامة الخراط

إنّ أول جريمة ترتكب بحق الطفل هي عندما يتم إخراسه أو تجاهله عندما يبدأ بممارسة مهارة السؤال،
فأول ما يبدأ الطفل بالكلام يتجه للسؤال عن كل شيء وأي شيء، مما يسبب الحرج لوالديه والمجتمع المحيط به، والذي تعود أن يكون للأسئلة حدودا معينة ومجالا معينا، وألا تُقبل ويُرد عليها إلا لو سألها من له سلطة وقوة.

أما الطفل فهو بنظر الكثيرين لا شيء، ولا حق له بالسؤال والنقاش، ولا ضرورة للصبر عليه لأن هذا مضيعة للوقت! ومع ذلك وبسبب الفطرة الكامنة في الطفل يستمر يسأل عن كل شيء يصادفه لأن هذه هي الطريقة الوحيدة لاكتشاف العالم من حوله، وقد يسأل أسئلة محرجة في الدين والعلاقات والجنس والاختلافات بين الناس، وعن سبب تصرفاتهم وتناقضاتهم وكذبهم ونفاقهم.

ولكنه بالبداية يسأل أسئلة بسيطة، ولو تجاوب الأهل مع الاسئلة بالرد عليها واحترام أسئلته وعقله، سيبدأ يزيد من تعقيد الأسئلة وجرأتها مع تقدم السنين، بينما لو تم كبته وتخويفه وتجاهله سيتخلى عن هذه العادة للأبد بعد أن ييأس ويتعب من التجاهل، وساعتها يا خسارة، سيفقد هذا الطفل المسكين أي اهتمام بالتفكير والتعمق والفهم، ويميل للتقليد وتصديق كل ما يُقال له، وأخذ كل معلومة تصل له (صحيحة أو خاطئة) على أنها حقيقة كاملة ونهائية.

وساعتها لقد ارتكبنا جريمة بإضافة فرد للمجتمع لا فكر له ولا رأي ولا تدبير، فهو مجرد تابع ينتظر من يُشكِّله ويقوده، وسيكون هذا التشكل بحسب المجتمع الذي وُلد فيه بالصدفة، سواء كان مجتمعا شرقيا أو غربيا، أبيضا أو أسودا، مسلما أو بوذيا أو لا دينيا أو غير ذلك. فهو سيُقلد من حوله مهما كانوا وكيف كانوا بخيرهم وشرهم.

فلو كان من حوله من جماعة داعش فسيكون منهم، أو كانوا من المجرمين والشبيحة فسيكون فردا فيهم، أو من جماعة التحرر أو جماعة الانغلاق فسيكون مؤمنا بكل أفكارهم، ولو كان حظه سيئا جدا فسيصطاده جماعة المدمنين أو الفاشلين أو النصابين أو المكتئبين.

هو مجرد قشة في وجه الريح، لأنه لا يملك فكرا مستقلا يفكر فيه، ولا عقلا واعيا يدله على الصحيح، هو مجرد مقلد فقد القدرة على السؤال وبالتالي البحث عن الإجابة. وسيصبغه المجتمع المحيط به سواء كان خيرا أو شرا، أو خليطا من هذا وذاك. فالسؤال هو الطريقة الوحيدة التي تُحول الشخص من مجرد تابع إلى إنسان حر مفكر مبدع.

والمبدعون أصحاب الاختراقات المهمة في العلم والفن والاختراعات والسياسة والاقتصاد والفكر والدين، كانوا أصحاب تفكير حر، وتجرؤوا على سؤال أسئلة مجنونة بنظر الناس، كما تجرأ آينشتاين يوما وسأل: ما هو الزمن؟ فغير كل مسار العلم في القرن العشرين، وما تزال حتى اليوم إجاباته تلك تولد الأسئلة والأجوبة، وملايين العلماء يتبعون خطاه ويصنعون آلاف الاختراعات بناء على أفكاره، ومثلا لمن لم يعرف، فنظام تتبع المواقع في الجوالات (الجي بي إس) بدون معادلات آينشتاين، وفهمه لطبيعة الزمان والمكان والسرعة والضوء كان من المستحيل أن يعمل بدقة وكفاءة.

فسؤال واحد سأله آينشتاين غير العالم، رغم أن كل الدنيا ساعتها قد أجابت عليه وأقفلت باب الاسئلة حوله، ولكن الطفل في داخله كان ما زال ينبض، وقد قال آينشتاين بما معناه: أن التعليم والتربية للأطفال هي السبب الأساسي في قتل آلاف الفرص للتقدم والتغيير في العالم، ولم أكن أنا مختلفا عن الأطفال الآخرين بشيء إلا في أنني كنت قادرا على رفض كل ما أسمعه ولم أعتبره من المُسلَّمات، بل كنت أعيد التفكير فيه مرة بعد مرة حتى أصل لليقين الخاص بي تجاهه.

وفي عالمنا العربي، أُعيد اليوم فتح باب الأسئلة من الشباب، وذلك بسبب كل هذا الخراب والدمار والدماء والخيبات والفقر والبطالة والتخلف والظلم والاستبداد، فالشباب بدأ يسأل سرا وعلانية، ما هو الصحيح في كل ما تعلمناه عن الدين والله والأخلاق والقيم والمجتمع، وهل كل هذه القيود والأفكار مفيدة أساسا؟ وهل هي سبب دمارنا أم سبب نجاتنا؟

وتأكدوا أن هناك الكثير جدا مما سيتغير في العقود القادمة، ومتاريس كثيرة وضعها المجتمع ستنهار تماما، بسبب الإجابات الجديدة التي سيجدها ذلك الشباب الذي استيقظ، ومن المستحيل أن يعود لتصديق كل ما قلناه له في الماضي لأنه جربه ولم يوصله لأي نتيجة.

السؤال هو جوهر الإنسانية، وأنت حي ما دمت قادرا على أن تسأل وتشكك وتفكر.

DET Platformرسالة إلى من يحرمون السؤال
قراءة المزيد

مميز بالأصفر

No comments

Jackson Brown Jr., Rochelle Pennington

رفاه أحمد غصن

قدم الكاتب في هذا الكتاب مقررا للعيش بحكمة والاختيار بذكاء.

ضمّ المقرر العديد من الصفات الحسنة التي تعّد في مقدمة القيم الأخلاقية التي أدرك الكاتب أهميتها في حياة الإنسان.

فقد عُرضت هذه الأفكار بطريقة سلسة، سهلة، واضحة، فكانت ذا وقْع بليغ على القارئين.

التعريف بالكتاب: اختار الكاتب عبارة “مميز بالأصفر” عنوانا لهذا الكتاب لأنه شبّه هذه القيم الخُلقية المهمة بالأمور الجلية، الواضحة التي تظهر للعلن؛ الأشياء التي نميزها من غيرها لأهميتها في نفوسنا، فأراد تحفيزنا لتمييزها (بالمعنى الحرفي للكلمة) مما يسهل علينا تذكرها وتجسيدها عمليّا في حياتنا.

المقدمة: عبارة عن حكمة في قالب قصصي، علمنا من خلالها الكاتب كيفية استخلاص الأمور الأكثر أهمية من غيرها كما وضح سبب تسمية الكتاب ب “مميز بالأصفر”.

فصول الكتاب: احتوى على مجموعة من القصص والاقتباسات حول “أغلى موضوعات الحياة” كما ذكر الكاتب.

كما ركز على طريقة الحياة البسيطة والاستمتاع بها وإدراك أهمية الأشياء مهما قلت قيمتها.

ضم الكتاب موضوعات متعددة: الإحسان، الكرم، المُتع البسيطة، الأبوة.

الخاتمة: لم تكن للكتاب خاتمة كالمعتاد عليه في كل كتاب؛ بل كانت حكم الكتاب أغنى من أي خاتمة تذكر.

DET Platformمميز بالأصفر
قراءة المزيد

عش عظيما

No comments

للكاتب كريم الشاذلي

رفاه أحمد غصن

شكّل هذا الكتاب منبراً استطاع الكاتب من خلاله كشف الغطاء عن أفكاره وفلسفته للحياة، وطريقة العيش فيها، والتعامل معها ومع تطورها وتقدمها.

وقد برزت إرادة الكاتب في الدعوة للعيش بعظمة وتميُّز بحيث يكون لكلٍ منّا قالباً خاصاً لهُ يميّزهُ ويحدّد كيانه؛ أن يكون كلٍ منّا عالماً بذاته.

عالماً يجسّد فيه طموحاته وإرادته ورغباته بما يساهم في رقي المجتمع وتقدمه.

أرفق الكاتب أفكاره بالعديد من القصص لعظماء في التاريخ عاشوا في زمانٍ ومكانٍ ما. كما ضمَّنّه بالعديد من الاقتباسات لهؤلاء العظماء وغيرهم كُثُر.

وطرحَ فيه بعض التساؤلات التي تثير مشاعر القارئ وتحفز عقله وتجعله يتفاعل مع مضمون الكتاب.

من الاقتباسات التي وردت في الكتاب:

* إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئاً كثيراً؛ ولكن بشرط واحد؛ أن يموتوا همّ لتعيش أفكارهم. “سيّد قطب” (الصفحة 25).

* لا ينمو العقل إلا بثلاث: إدامة التفكير، ومطالعة كتب المفكرين، واليقظة لتجارب الحياة “مصطفى السباعي” (ص 59).

* العقائد تنتصر بالمتجردين الأوفياء الذين إن حضروا لم يُعرَفوا؛ وإن غابوا لم يُفتَقدوا؛ ربما تنساهم الحياة، لكن الله ذاكرهم بالغدو والآصال “محمد الغزالي” (ص83).

* الذكاء أن تعرف كيف تصنع أهدافك وتحدّدها وتسعى إليها، ولكن دون صُنع أعداء ومحاربين ضدك!! ” نيوتن” (ص131).

ويؤكد الكاتب في حديثه عن العظماء أنّ الإنسان لا يولد عظيماً بالطفرة بل يكتسب العظمة اكتسابا ويتعلمها من الحياة بحكمته وقدرته على مواجهة التحديات مهما عظُمَتْ أمامه فيقول: معظم ما في عالمنا من حقائق عظيمة واكتشافات مذهلة وأعمال جليلة؛ قام بها أفراد مثلي ومثلك وفي الغالب صدمت آذانهم عبارات من نوع “من تحسب نفسك!!”.

ومع التكرار الذي أصاب بعض أفكار الكتاب إلا أنه جدير بالقراءة والانتفاع بما حمله من معاني مختلفة تحث على النهوض والسعي الدائم للتغيير.

ومن خلال ما ذُكِر يكون الكاتب قد مدَّ جسراً وطيداً للعبور نحو حياة عظيمة مليئة بالتفاؤل والنجاح. ويبقى علينا الاقتناع بها وتبنيّها والسعي إليها والحثُ عليها.

DET Platformعش عظيما
قراءة المزيد

المشوق إلى القرآن

No comments

للكاتب عمرو الشرقاوي

رفاه أحمد غصن

“وإنه لكتاب عزيز”

ما أحوج الإنسان إلى مساحة ضوء في عتمة ليله، ما أحوجنا إلى طريق مستقيم ويد الحق بعد الاعوجاج والباطل.

وجد القرآن الكريم كهذه المساحة في زمن اضمحل فيه كل شيء، وُجِدَ لينير قلوبنا قبل عقولنا.

تحدث الكاتب عمرو الشرقاوي في هذه الصفحات عن هدي القرآن الكريم والطريقة المثلى للاستفادة منه وتدبير آياته والخشوع فيها. أراد أن يبث الشوق في قلوبنا لنقبل على كتابه جل جلاله بروح أنقى ونفس اتقى.

كما تحدث عن الوحي وارتباطه بنزول آياته جل جلاله والحكمة من ذلك. وأكمل الكاتب الخوض في أسرار القرآن الكريم وعظيم معناه وبلاغته وسر التعلق به والتمثُّل بخُلقِه.

يذكر الكاتب ” تاريخ القرآن العزيز” منذ نزوله عبر الوحي جبريل عليه السلام مروراً في العهدين (المكي والمدني) وصولاً إلى زماننا هذا. كما حدثنا عن أسرار السراج المنير في النفس والروح التي تتلقاه بقلب واعٍ وعقل يقظ وما يحدثه في النفس من أثر بالغ من خشية الله تعالى والاقتداء بسنة نبيه محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

ما أجمل من يتعهد القرآن ويجعله رفيق درب في كل وقتٍ وحين وسندا متين يوصلنا إلى جنات النعيم ودار الخُلد التي لا تزول. ما أجمل من يهتدي لطريق الحق والصراط المستقيم ويدعو من حوله إليه ويوصي نفسه بالثبات عليه. ما أجمل أن نستمع إلى القرآن بعقولنا ونراه بقلوبنا، نتحسس كلماته بروحنا لنجد أثره في حياتنا وأخلاقنا.

دعونا كلما قرأنا القرآن الكريم نحسب أنفسنا كمن يقرأه للمرة الأولى، دعونا نقرأه بشغف وتعطش للمزيد منه، للخوض في أعماقه لفهم معانيه والعمل بما فيه. لنجاهد أنفسنا على ذلك ونتمهل عليها ونعلم أن طريق استقامة النفس طويلة وشاقة ولكنها ممكنة بمزيد من العزم والإرادة والصدق مع الذات ومخالفة الهوى.

وقد رسم الكاتب تحت عنوان “من أراد العلم.. فليثور القرآن” الطرق اللازمة التي يجب على القارئ اتباعها لتحصيل الفائدة من كتابه العظيم. كما حدد ضوابط عامة “لمجالس القرآن” مجالس النور التي تبث الخشية والسكينة في قلوب جالسيها. تلك المجالس التي تزيدهم قُرباً وتودداً وعفواً ومغفرة واستجابة للطلب وهدوءا للنفس وسكينة للروح.

كما أكد على أهمية تعلم القرآن وتعليمه والعمل بما فيه وتمثل أخلاقه حتى لا يكون (علماً بلا عمل) فيغدو حجةً علينا. تلك أخلاق القرآن التي ترفعنا في دار الخُلد في الآخرة وتجعلنا متعطشين لكلامه جل وعلا ولتدبر آياته وفهم معانيها.

نفعنا الله وإياكم في السراج المنير وجعلنا على الطريق المستقيم حتى نلقاه.

DET Platformالمشوق إلى القرآن
قراءة المزيد

العلامة التجارية

1 تعليق

تعريف العلامة التجارية بمفهومها العام: هي مؤشر يستخدمه فرد أو شركة أو مؤسسة للدلالة على المنتجات أو الخدمات الخاصة به/بها والمقدَّمة للمستهلك بهدف تمييز منتجاتها أو خدماتها عن منتجات وخدمات الآخرين.

العلامة التجارية عادة ما تكون كلمة، أو عبارة، أو رمزاً، أو تصميماً، أو بعض هذه العناصر مجتمعة.

عند بناء العلامة التجارية الناجحة يتم الانطلاق من مجموعة من القواعد والمبادئ بهدف تحقيق النجاح والتميز لمنتج ما (سلعة تجارية، فكرة، خدمة) وزيادة ثقة الجمهور المستهدف بهذا المنتج وبالتالي زيادة الطلب عليه فـي الأسواق.

DET Platformالعلامة التجارية
قراءة المزيد