أمل وحصار

No comments

إنها المرة الأولى التي نرى فيها الطيران الحربي يقصف من ارتفاع منخفض، امتزجت الأصوات جميعها في لحظة واحدة، صوت الطائرات والقصف والرصاص ودوي الانفجارات وأصوات التكبير من المآذن.

بدء النزوح والهرب من الموت إلى المجهول، الجميع يغادر المدينة التي بدت فيما بعد شبه خاوية.

تجولت في المدينة بسيارتي بحثا عن ملجأ في أحد الأقبية نختبئ فيه، وجدنا مصنعا للألبسة فيه القليل من المساحة الفارغة، لا أدري الآن ما مصيره ولا أدري ما يفعله كلّ من تبقى متمسكا بقرار عدم المغادرة، كنا نظن أنها أيام قليلة ستنتهي لنعود من بعدها إلى حياتنا المعتادة، مضى اليوم بطيئا متثاقلا وكأنه عام.

إنها الواحدة بعد منتصف الليل، أصوات كالرعد في كل مكان، أصوات راجمات الصواريخ تندمج مع أصوات الانفجارات الهائلة وأزيز الرصاص وعواء الكلاب، هكذا مضت الليلة الأولى من الرعب، ارتفع فيها صوت بكاء الأطفال ودعاء النساء ودموعهم المتناثرة على وجناتهن، وأما الرجال والشيوخ فكانوا يسبحون ويكبرون. جاء الصباح أخيرا وهدأ الضجيج قليلا، الوضع شبه هادئ ما عدا بعض الاشتباكات هنا وهناك.

ليس بعيدا عن موقعنا كانت هناك عائلات مختبئة في أحد الأقبية ينتمي أغلبها لعائلة “نوح”، ما يقارب 30 امرأة وطفلا وبعضَ الرجال، سقط على بناءهم صاروخٌ من طائرة حربية قبل أنه فراغيّ النوع وقد انهار على إثره البناء المؤلف من خمسة طوابق، حاول الدفاع المدني والمتطوعون إخراج العوائل ولكن دون جدوى، لم ينجو منهم إلا طفلة صغيرة. فقد الكثير من الشباب أحبتهم، فهذا الذي كان يبكي بحرقة بعد فقد جميع أفراد أسرته وذاك الذي فقد زوجته بعد أسبوع من الزفاف.

ومع حلول الليل ذهب الأمل في إيجاد ناجين وبقيت الجثث تحت الأنقاض لتسمى هذه الحادثة فيما بعد بمجزرة آل نوح.

تمضي الأيام والحصار يشتد شيئا فشيئا، استهلك المدنيون كلّ متاحٍ في المدينة من أغذية ووقود.

لا يوجد شيء تستطيع الحصول عليه فلا محال ولا بقالة، أحاط الدمار بكل الأبنية. أنا جائع جدا، ذهبت مع صديقي بحثا عن شيء يسدّ الرمق في البناء الذي كان يقطنه مع عائلته وبعد بحث مطوّل وفقدان للأمل وجدنا بعض الأرغفة من الخبز اليابس الذي مضى على وجوده سنة وأزيَد، فرحنا كثيرا فذهبنا إلى الحقول أيضا لنجلب بعض الأعشاب التي تُأكل، تمّ تحضير الطعام مساء، كان يوم عيد بالنسبة للجميع فهذه وليمة فاخرة بالنسبة لنا من خبز يابس متعفن تم غسله أكثر من مرة وبعض الأعشاب.

تمرّ الأيام والأشهر والسنين كان لابد للمدينة من العودة ببعض الأمل والحياة، أنشأت مجموعة من الشباب صيدلية مركزية لتوفير الأدوية بالمجان تمّ جمعها من الصيدليات المهدمة وبعض المنازل.

كما أنشأت مجموعة من النساء مدرسةً لتعليم الأطفال وتخفيف الضغط عنهم وترفيههم، كان هذا العمل بالنسبة للمدينة المحاصرة والظروف التي تعيشها أشبه بمعجزة، الأطفال في الأقبية تتعلم على ضوء خافت جدا مما كان متاحا لهم في ظلّ القصف بالبراميل المتفجرة الذي لا يكاد يتوقف صباحا لساعات حتى يعود من جديد.

إنه الأمل وإرادة الحياة لدى أهالي داريا رغم قسوة الظروف والمصاعب كالطبخ على الحطب ووجبة واحدة متاحة يوميا.

أما بالنسبة للوقود أحد أكبر مشاكلنا فبعد بحث واستقصاء وصلنا إلى بعض إخوتنا في غزة بفلسطين الحبيبة الذين أرشدونا إلى وقود بديل هو البلاستيك المنصهر.

والاتصال كان بطريقة غير معتادة إذ صنعنا من أغطية أواني الطبخ وبعض الأسلاك مقويات لشبكة الهاتف الجوال.

كانت الأيام هناك طويلةً وثقيلة، كان الجوع وقلة الطعام أكبر مشكلة واجهتنا فلم يبقى ما يسد الرمق سوى بعض الماء مع البهار والملح وبعض من حبات الذرة المطحونة.

سُرق مستودع اللجنة الإغاثية في المدينة حيث كان يحتوي على كمية من ثمار اليقطين التي كان يتم طهوها وتوزيعها.

ضاق الحال بالمدنيين ولكن الفرج آت ولو بعد حين، جارتنا مدينة معضمية الشام الملاصقة لداريا محاصرة أيضا وكانت تشاركنا نفس البؤس ولكنها تفاوض القوات النظامية وقد تم الاتفاق وفتح معبرٍ هناك، دخلت المواد الغذائية بعد مرور سنتين لم أرى فيها رغيف خبز، واليوم أمامي بيض وخبز، كان هذا أشبه بحلم، اجتمعنا خمسة أشخاص وبدأنا نطهو البيض ونأكل، تناولنا 24 رغيفا وصندوقين من البيض ولكن مازلنا جائعين!

الأيام تمر والمعبر يُدخل المواد الغذائية والناس تشتري بكل ما تملك من نقود وتقوم بتخزينه خوفا من إعادة إغلاقه وهذا ما حصل، أشهر قليلة وعاد الحصار مجددا ولكن في هذه المرة لدينا بعض الخبرة، فالجميع استطاع تخزين مقدار جيد من المواد الغذائية وبعض البذار للزراعة.

عادت المعارك، محاولات اقتحام جديدة وقصف شديد والبراميل المتفجرة أصبحت أكثر تدميرا وفتكا بالأرواح، ذهبت ضحايا كثيرة من النساء والأطفال.

عندما كنت جالسا مع صديقي في إحدى المرات سقط برميل في منتصف المدينة في الشارع الذي تسكن فيه عائلته، ذهبنا مسرعين لنجد المنزل ركاما من الحجارة تدفن زوجته الشهيدة الحامل في شهرها الثامن وطفله ابن السابعة، غرق صديقي بدموعه، كان هذا المشهد يتكرر يوميا، الموت في كل مكان.

نعم لم نمت من الجوع ولكن الحصار الجديد كان أقسى لأنّ البراميل كانت تحصد أرواح أهلنا وأحبتنا.

وأيضا لازلت أذكر سقوط برميل يحتوي النابالم على البناء المجاور، حينها اشتعل البناء وحوصر قاطنوه وبمعجزة استطعنا إخراجهم عبر فتحة في حائط البناء المجاور، كانت صرخات الأطفال أشدّ على قلوبنا من النار المستعرة.

لم يبقى شجر ولا حجر على حجر، كله دمّر حتى الحقول التي زرعناها لم تسلم من القصف والحرائق، كان الحصار يشتد أكثر فأكثر.

فصل النظام ما بين المدينتين داريا ومعضمية الشام واستولى على الأراضي الزراعية، نحن محاصرون الآن ضمن 1 كم متر مربع فقط، حكم علينا بالهلاك إما قصفا أو رميا بالرصاص، هكذا كان حديث الناس في الشارع لقد مضى على المعركة والحصار أربع سنوات.

ولكن الإرادة الإلهية تتدخل من جديد، فعبر المفاوضات تم تهجير كل من تبقى على قيد الحياة في المدينة إلى الشمال السوري لتطوى بذلك مسيرة أربع سنوات من الصمود والنضال وتبدأ مسيرة جديدة من المعاناة والتهجير.

وعن الحب والحرب

إلى مدينة داريا العزيزة:

لم يعد في قلوبنا مكان للحب، لا يا عزيزتي فذاكرتي لا ترى سوى الدمار

عذرا منك وألف عذر، ففي قلبي لن تجدي سوى الحصار

اعذري عيوني لأنها لم تعد ترى سوى الأشلاء والدماء

اعذري روحي لأنها صعدت مع آهات الأطفال إلى السماء

واعذري جسدي لأنه تمزق مع صيحات النساء

نعم، لم يعد في قلوبنا مكان للحب

فالحرب هنا دمرت كل جميل، حتى تغريد البلابل تحول إلى نعيق الغراب

وهدير الماء أشبه بصوت طائرة تنفث نارها كالبركان

نعم يا عزيزتي فالدخان هنا ما يتنفسه الإنسان

نعم يا عزيزتي إنها الحرب، لن تجدي في قلبي من مكان

إلا لأنشودة حزينة ترثي ما مضى وكان

سامحيني واعذريني وانتظري فلربما يعود بنا الزمان

ويبزغ الفجر على وطن دمره حقد أرعن وجشع الإنسان

 

تحرير: أحمد حللي.

DET Platformأمل وحصار
قراءة المزيد

لوحة شهيد

No comments

أبدعت لينا المهر  والتي تبلغ من العمر 24 سنة، في رسمها للوحة شهيد ، حيث عبرت عن كل قلب مكسور بقلمها وألوانها من قلب مدينة الغوطة، وذلك ضمن مشروع إيماءة،  حيث يذكر أن فريق إيماءة هو فريق فني يعمل على إنتاج محتوى يصب في خدمة أحرار سوريا ويعمل على إنتاج سلسلة من الأفلام التي تحكي عن القضية السورية.

   

DET Platformلوحة شهيد
قراءة المزيد

دولورِس إيباروري

No comments

لاباسيوناريا

من مناجم فيزكايا الباسكية أينعت زهرة الحب تلك، زهرة الكفاح والنضال ضد أشكال الظلم كافة، لتكون رمزا من رموز الحرية وإن لم تنتصر.

ولدت دولورس إيباروري في التاسع من كانون الأول عام 1895 لأسرة فقيرةٍ تعمل في المناجم في إقليم الباسك الإسباني.

كانت نشأتها الأولى كأي طفلٍ عاديٍّ في ذلك الوقت، تعمل في المناجم مع والديها ليؤمنوا كفاف يومهم، حتى جاء اليوم الذي قلب حياتها رأسا على عقب.

في أحد أيام عام 1903 قام العمال بإضرابٍ عن العمل نتج عنه اعتقال العديد من رجال المناجم، فما كان من النسوة والأطفال ومن بينهم دولورس إلا أن قاوموا القوات الحكومية بالسلاح والمتفجرات مستغلين بيئة أرضهم الجبلية، كانت هذه الحادثة بداية الحياة السياسية لإيباروري ونقطة تحولها.

انضمت دولورس عام 1917 إلى الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، لتكون عضوا مكافحا وفعالا فيه، إلى أن انتسبت للحزب الشيوعي الإسباني عام 1921 والذي أسسه عمالٌ ثوريون متأثرون بتجربة الحزب الشيوعي السوفييتي.

في عام 1925 اشتهرت دولورس بلقب “لاباسيوناريا” الذي يعني طوق الزهور أو زهرة الحب، إذ كانت تستعمل هذا اللقب للتوقيع على مقالاتها المنشورة في الجرائد المحلية.

في عام 1931 أصبحت عضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الإسباني، مما أدى لاعتقالها ثلاث مرات بين 1932 و1936، عانت في هذه الفترة من الجوع والفقر والنفي.

تابعت دولورس نشاطها السياسي باشتراكها في المؤتمر السابع للأممية الشيوعية عام 1935، وتم انتخابها كعضو في “البريزيديوم الأممي”، ونجحت بالتعاون مع الأمين العام للحزب آنذاك “خوسيه دياز” باجتذاب بعض القطاعات من الطبقة البرجوازية المثقفة.

انتخبت دولورس إيباروري لمنصب نائب رئيس البرلمان الإسباني عام 1936، فكانت تسافر لبعض الدول الأوروبية تحثهم على دعم إقامة الجمهورية الديمقراطية في إسبانيا، وكانت تلزم المقاتلين على الجبهات طيلة الحرب الأهلية الإسبانية، محفزة إياهم بشعاريها “لن يمروا” و “من الأفضل أن نموت واقفين على أن نحيا راكعين” اللذان ما زالا يُرددان على الألسنة حتى اليوم.

في السادس من مارس عام 1939 أعلنت هزيمة الجمهوريين واضطرت إيباروري لمغادرة إسبانيا إلى موسكو مركز الشيوعية العالمية، حيث بقيت خارج إسبانيا مدة ثمانٍ وثلاثين عاما.

في العام 1942 وبعد موت خوسيه دياز، انتخبت دولورس إيباروري أمينة عامة للحزب لتكون أول امرأةٍ تشغل هذا المنصب.

وفي العام 1948 انتقلت قيادة الحزب لمدينة تولوز الفرنسية إلا أنّ نشوب الحرب الباردة اضطر دولورس للعودة إلى موسكو.

في يناير عام 1960 انتخبت دولورس رئيسة للحزب الشيوعي الإسباني وخلفها في منصب الأمين العام سانتياجو كاريو الذي كان عضوا في اللجنة المركزية الإسبانية.

عادت دولورس إلى إسبانيا عام 1977 وانتخبت في السنة ذاتها كنائبةٍ عن إقليم أستوريا، عارضت فيما بعد أفكار حزبها ونهجه المتبع إلا أنّ منصبها كان شرفيا لا يسمح لها بالتصدي لأخطائه.

في الثاني عشر من تشرين الثاني عام 1989 توفيت لاباسيوناريا في العاصمة الإسبانية مدريد عن عمرٍ يناهز الثلاثة والتسعين عاما، وخرج في جنازتها مليونا شخصٍ كان معظمهم من العمال والفلاحين الذين أفنت حياتها في سبيل حريتهم،

ليطوي التاريخ صفحة من صفحات النضال ضد الفقر والاستعباد، وتكون دولورس رمزا من رموز الحرية لكل أحرار العالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

كتاب “لن يمروا، لحظات لا تنسى” تأليف: دولورس إيباروري

ويكيبيديا

DET Platformدولورِس إيباروري
قراءة المزيد

العشاء الأخير

No comments

كان الفرسانُ الأربعةُ للفريق الفرنسي مجتمعين على مائدةِ الطعام في عشاءهم الأخير، يتناقشون أمر مباراة الإياب ضد الفريق الكتالوني. فسألهم ماركو فيراتي أحدُ لاعبي الوسط: ما هو رأيكم إذا ما خسرنا بخمسةَ أهدافٍ لواحد! فهل ستسعدون؟

DET Platformالعشاء الأخير
قراءة المزيد

النبي المحظور

No comments

النبي المحظور,,, فيلم يسلط الضوء على تقديس رجال الدين والتطرف

النبي المحظور، من أفلام الدراما التسجيلية التليفزيونية التي أثارت اهتماما غبر مسبوق في الولايات المتحدة ثم عند عرضه على الشاشات الأوروبية، اسم الفيلم الذي يعني حرفيا النبي الخارج على القانونOutlaw Prophet  2014.

DET Platformالنبي المحظور
قراءة المزيد

دهس المشمش في ركوب الدُلموش

No comments

دهس المشمش في ركوب الدُلموش

أول ما قدمت إلى تركيا بدأت اسأل عن معنى كل شيء أراه في الطريق، أو أبحث عنه في طور تعرّفٍ بسيطٍ ومن طرف واحد عن اللغة التركية.

 فالعربي يأتي إلى تركيا يحمل أحلاماً وردية جميلة وخيالا علميا ومنامات طفولية، كركوب الميترو والأمواج، وتسلق الجبال والتلفريك، السباحة على شط أمين أونو بقرب المساجد الكبرى التي يراها في الإنترنت، التقاط مئات آلاف الصور والسيلفي ومقاطع الفيديو والأفلام الوثائقية حول طيران النوراس، سكون القطط، ألفة الكلاب، لذة السيميت ( كعكة تركية شهية ) بالسمسم أو حبات دوار الشمس، قدم المدينة، ضخامة المساجد، الزخرفة الإسلامية، الحضارة الضائعة، أرض الخلافة المتساقطة، قصر نور ومهند، آية صوفيا وصلاة الفجر هناك، ساحة تقسيم، شارع الاستقلال، جزر الأميرات، المشي على جسر البوسفور مشبكاً يده بيد الحبيبة وهكذا.

لا يعرف العربي القادم إلى تركيا الكثير من الأشياء الأخرى، فيصطدم بواقع جميل وممتع للغاية فيما تُظهر الصور خلاف ذلك دوماً، الصور تظهر السعادة، وابتساماتنا، حب المدينة، سحر الشرق، تقدم الغرب، تراجع كوريا الشمالية، الكباب الشهي.

لنتحدث عن الدلموش مثلاً وهو موضوعنا الأساسي كما يظهر في العنوان اللطيف. الدلموش (dolmuş) اصطلاحا هو وسيلة نقل تركية شعبية خاصة. ولغة هو الممتلئ، مصدر الكلمة dolmak مليء، dol املأ، dolmuş يقال إنه مليء، يعني وسيلة نقل لطالما كانت مليئة. ويسمى بالتركية أيضاً minibus، أي الحافلة الصغيرة.

يوجد في أحدث الدلامش عشرة كراسي للجلوس مع كرسي السائق، مع أنه بالحجم أكبر من السرفيس السوري أو الميكرو باص الموجود في سوريا والذي يتسع ل١٤ راكبا جلوساً فقط.

يتشابه (شوفيرية) الدلموش والسرافيس من ناحية المواصفات الخلقية والخُلقية، نظارات شمسية صيفاً وشتاءاً، أسوء أنواع الدخان، أطواق (جمع عقد الرقبة) وخواتم وأساور، جميعهم يغضب بسرعة، يشتمون بسبب وبدون سبب، يستخدمون المزمار في كل الأماكن، منهم من يفتح معك حديثاً لا جدوى منه، لا يستوعب المكان الذي تطلب الذهاب إليه من أول مرة ويشتهرون في تركيا بلفظ (ne)، (شو؟).

يضع السائقون شعارات كثيرة حولهم وفوقهم تبدأ بعلم تركيا وعهد الدولة العثمانية وجماجم وفرق رياضية ومرايا وقطع نقود محلية وعالمية، ممنوع التدخين وإن فعلت فعليك غرامة 82 ليرة تركية (هو يدخن طبعاً) وبقربه صندوق مربع يضع فيه (الغلة أو النقود).

يقف الدلموش في كل مكان ليستقله الركاب، منتصف الطرق والساحات، على الجسور وفي الأنفاق مما يؤدي لمزيد من الازدحام في المدينة الأكثر ازدحاماً ربما.

يذكرني الدلموش بمعتقلات سوريا، ولكن الدلموش مع نوافذ ويتحرك أيضاً، في المعتقل يسجن ٦٠ شخصا في مساحة صغيرة تتسع للنصف وربما أقل، فلا يجدون مكاناً للحركة وينامون على جنوبهم بضيق يكسر العظام.

نكبس في الدلموش كبساً، ويتذمر السائق هل من مزيد؟ يطالبه الإخوة الأتراك بكفاية الموجودين فيجيب بهز رأسه ويقف للراكب التالي فوراً ليدخل مكبسة البشر التي نستقلها.

فهو ليس كالسرفيس تجلس فيه بل تقف لأن المقاعد الموجودة فيه محجوزة لكبار السن والنساء إلا إن خرجت في بداية الخط فقد يحالفك الحظ بالجلوس ولكن مع صعود أي شخص أتعبته السنون تتحرك فيك النخوة والمروءة للوقوف لأجله.

أثناء ازدحام الدلموش وازدحام المدينة، تصاب بداء الدلموش، تتعرض خلال الداء، داء تنفس، روائح غير لطيفة، وجوه عابسة وأخرى جميلة، تدافع أو تدافش (بلغة ياسر العظمة دفشني يخرب دياره).

تمسك بالحبال المتدلية من الأنابيب الصفراء المعلقة على الأطراف والسقف ولكنك مع ذلك تفقد التوازن فقد تعانق أحدهم أو إحداهن لنقل نصف عناق فربما يكون اعتذار واحدٌ كافٍ وربما سباب ناعم ضد السائق أو الشاب الذي داس على الفرامل بسرعة حتى لا يصطدم بالدلموش الذي أمامه.

في اسطنبول يوجد الكثير من هذا الدلموش وبألوان متعددة أشهرها البيج أو الكابتشينو، يوجد الأزرق والأخضر والزيتي ورأيت خارج اسطنبول ذو اللون الزهري (البينكي).

ثمن الركوب من أول الخط لآخره 2.45، ويقل بحسب قرب المكان إلى 1.80 ليرة كأقل حد.

يوجد تخفيض لطلاب المدارس والثانويات، طلاب الجامعات لا تخفيض لهم فهم لا يستحقون ذلك (خلي الباص والميترو ينفعهم).

ربما يقاس الأمر ذاته أو بأسلوب مشابه على الميترو بوس، وهي حافلات النقل الداخلي ذاتها ولكن بحافلتين وخط مسار أطول من ٤٠ كم بين آسيا وأوربا، فيمكن التشبيه مثلا من شدة الازدحام داخله (صف المكدوس في ركوب الميترو بوس).

رغم البنية التحتية الهائلة لاسطنبول من ناحية المواصلات ووسائط النقل ولكن هل تستحق كل تلك المعاناة؟!

DET Platformدهس المشمش في ركوب الدُلموش
قراءة المزيد

المنبوذون

No comments

 المنبوذون.. فيلم فرنسي يطرح مفهوما مميزا عن بهجة الإنسان وسعادته

 الفيلم الفرنسي Intouchables “المنبوذون” 2011، فيلم درامي ممزوج بمواقف كوميدية، للمخرجين إيريك توليدانو وأوليفير ناكاش، تطغى عليه البساطة بلا تعقيدات نفسية أو صراخ أو لقطات فجه.

DET Platformالمنبوذون
قراءة المزيد

الوهلة الأولى

No comments

الشُّعورُ الأوَّلُ كفاتحةِ الذِّكرِ الحكيم ، كشمسِ الصَّباح حينما تتخلَّلَ ثنايا الأرض لتبعثَ فيها النّورَ والحياة ، كأوّل تكبيرةٍ ينادي بها المؤذن أنْ حيَّ على الفلاح موقِظاً الكائنات من سباتِها العميق، وكأول خفقةِ قلبٍ في صدرِ الوليدِ تكتب له استهلالته و بدايةَ مسيرِتهِ بين الخلائق .

الشعور الأول هو شفاءٌ للرّوحِ من أنْغاصِها، وتجديدٌ لها من قِدَمِها, وتحريرٌ لها من قيدها .

الشعور الأول لا يقارنُ بأقرانِه من المشاعر , يبقى زهِيًّا نابضا بالحياة وزاخرا بالأحاسيس المنبثقة مهما مرت عليه الأعوام والسنين !

هل تذكرُ أوَّلَ مرةٍ ذهبت فيها إلى الجامعة ! كيف كانت مشاعرك حينها ! شعور توترٍّ يغالبه شعور بالحماس واللَّهفة لولوج هذا العالم الجديد .

وهل تذكر كذلك أول امتحان قدمته فيها ! لا أعلم مالذي خالجك حينها ! ولكنْ ما أذكره أنَّ مشاعرَ خوفٍ من الفشل خالجتني فدفعتني للدراسة بجد , حتى إذا ما دخلت قاعة الامتحان غالبتني مشاعرُ تَحدٍّ وتخيَّلتُني كفارس مغوار في حرب ضَروسٍ يسعى للانتصار على أعدائه والتي ما كانت سوى أسئلة الامتحان ! حتى إذا ما انتهيت كانت نشوة النصر تتملَّكُني ممزوجة بالحَمْدِ لله أنْ مَنَّ علي بالتوفيق .

لا زلت أذكر ذات نُضجٍ , أمسكت فيها كتابا غنيًّا قيّمًا , حتى إذا ما تجولت عيناي بين السطور , شعرت بكمِّ الجهل الذي يسكن عقلي ، وقَزامَةِ فكري أمام ذاك الفكر العملاق , مما دفعني لاتخاذ القراءة “النافعة” واجبا يوميا لا أتنازل عنه مهما كانت الظروف !

وبالطبع لا أنسى المرة الأولى التي بدأت فيها محاولاتٍ شعرية ، فأنتج اشتياقي لوطني قصيدة لا أدري أين حطت رحالها الآن ! ولا أدري كذلك في أي قاع منْسِيٍّ استقرَّ إهمالي لتلك الموهبة !

لذلك إن اكتشفت موهبة في نفسك فاسع من فورك إلى تنميتها, وبذل الجهود لإتقانها والإبداع فيها, ولا تهملها فتمسي ذاكرة جميلة في زمن غائب .

لا زلت أذكر ذات رحمة وأنس ساق الله فيها إلي تلاوة خاشعة مؤثرة ، انسابت إلى سمعي مصطحبة معها شعورا ندياٌّ يلامس شغاف القلب فأتْبَعَتْهُ قشعريرة تخللت جميع أنحاء جسدي ، كانت سببا لتساقط عبراتِ خجلٍ و تقصيرٍ بحق المولى الرحيم !!

حينها استرجعت ذاكرتي كلمات ثناء انطلقت من فم إحدى زميلاتي أطْرَتْ فيها على النغمة الحزينة التي كنت أتلو بها سابقا، وأدركتُ الشعور الذي انتابها حينما اغْرورِقَتْ عيناها بالدُّموع ، في حين أنني كنت في وقتها أعجبُ كيف لطالبة في المستوى الإعدادي أن تدمع عيناها للقرآن، وأنا القارئة أقرأ بتلك النغمة تلحُّنا وليس تأثُّراً !!

وهل لنبضات قلبي أن تنسى ذلك الشعور المرتبك الذي راودني يوم صعدت على المسرح للمرة الأولى لأتحدث أمام المئات , رهبة المسرح مع عيون المئات المحدقين بك تجعل هواجسا غريبة مشوبةً برغبة بالبكاء تراودك ! ولكن مع الاعتياد واعتبار من هم أمامك أناس لطيفون لا يضمرون لك شرا أو كيدا يهدئ من روعك ويستجمع لك شجاعتك !

ويوم لاحظت زيادة وزني فقررت ممارسة الرياضة لمدة نصف ساعة ، لا زلت أذكر كيف أنني خلال ربع ساعة اختنقت أنفاسي وتلاحقت , حينها أدركت كمية ضعف لياقتي البدنية التي تصرخ وتستغيث لإنقاذها , ولكن سرعان ما تلاشى ذلك الشعور ليحلَّ محلَّهُ شعور بالإرادة الجبارة حينما استطعت ممارسة الرياضة لمدة ساعة كاملة متنقلة فيها بين المشي السريع والآلات الرياضية , لتبقى آثارها محفورة في قلبي وعضلات جسدي !

يجدر بالذكر أن هذه التجربة جعلتني ألتقط سرا من أسرار الحياة , وهو أن الفشل لمرة واحدة لا يعني البتة فشلا أبديا , وبالقليل من العزيمة والإرادة الحرة مع وضوح الهدف , يمكن استبدال الفشل بالنجاح , وإجلاء اليأس بالأمل !

المرات الأولى لا تعد ولا تحصى .. وهي أجمل مافي هذه الحياة ! تنتشلك من لحن روتين الأيام الذي ألفه موسيقي سيئ لم يتقن فن تأليف النغمات ، وأساء استخدام المهارات !!

لن تنسى مشاعرك المبتهجة التي تغلغلت في أعماق شرايينك يوم سافرت للمرة الأولى !يوم قطعت مئات الأميال سباحة ! ويوم تسلقت جبلا للمرة الأولى! يوم امتطيت حصانا ! ويوم قيادتك للسيارة !

وسيظل محفورا في ذاكرة قلبك يوم تخرجك ! ويومك الأول في العمل ! يوم أن تصدقت للمرة الأولى ! ويوم صليت بخشوع تام بعد العديد من الصلوات الخالية من معناها ! يوم دعوت الله بصدق وإخلاص حتى أجهشت بالبكاء لقيلة حيلتك !

يوم أن أحببت شخصا ! ويوم بحت بمشاعر حبك ! يوم زواجك ! ويوم إنجابك طفلك الأول أو طفلتك الأولى !

وكذلك كل المرات الأولى التي ستقترن بأطفالك , ستكون من أمتع لحظات حياتك وأكثرها حبا وحنانا !

لكنني بالرغم من جميع مرّاتي الأولى في كل شيء عشته حتى الآن ، لا أدري متى سأزور القدس للمرة الأولى ! ومتى سأصلي في أقصاها كذلك ! لا زال لدي أفق طموح لأعيش هذه التجربة، والتي لا أدري إن قدر الله لي خوضها كيف سيكون كنه مشاعري حينها !

كل ما أرجوه من الله أن أعيش ساعات وأياما أرى فيها العرب يستيقظون من سباتهم العميق ويهبّون لبناءِ أنفسهم ومجتمعاتهم ، وينتفضون ضد كل من طغى عليهم وتجبّر لتحرير مقدساتهم المسلوبة ، فيتحرر الأقصى من الوثاق الصَّهيونيِّ المشدود على رقابه ورقاب مواطنيه !

لأن من  أجمل لحظات الحياة التي تتمنى فيها أن تتوقف عقارب الساعة عن الحراك لحظة أن تجد لنفسك غاية تدأب عليها بجد وتستشعر جمال لحظات الاقتراب في الوقت ذاته .

لذلك جددوا حياتكم وأوقاتكم , وعيشوا تجارب الحياة بأجمعها المرة تلو المرة , لتتجدد أفكاركم وقلوبكم ويتجدد معها حاضركم ومستقبلكم , لا تشيخوا فكرا وروحا بدعوى التقدم في العمر والاستعصاء على التغيير, فالرسول عليه الصلاة والسلام كان قد بلغ من العمر أربعين عاما حين أوحى الله إليه برسالته الخاتمة , ولم يجد بأسا في أن يدفن عادات قومه ومعتقداتهم في الأرض وكأنها لم تكن ، وأن يؤمن بالدين القويم ويستسلم لتعاليمه حاملا على أكتافه أعباء النهوض به ونشره في بقاع الأرض.

DET Platformالوهلة الأولى
قراءة المزيد