أمل وحصار

No comments

إنها المرة الأولى التي نرى فيها الطيران الحربي يقصف من ارتفاع منخفض، امتزجت الأصوات جميعها في لحظة واحدة، صوت الطائرات والقصف والرصاص ودوي الانفجارات وأصوات التكبير من المآذن.

بدء النزوح والهرب من الموت إلى المجهول، الجميع يغادر المدينة التي بدت فيما بعد شبه خاوية.

تجولت في المدينة بسيارتي بحثا عن ملجأ في أحد الأقبية نختبئ فيه، وجدنا مصنعا للألبسة فيه القليل من المساحة الفارغة، لا أدري الآن ما مصيره ولا أدري ما يفعله كلّ من تبقى متمسكا بقرار عدم المغادرة، كنا نظن أنها أيام قليلة ستنتهي لنعود من بعدها إلى حياتنا المعتادة، مضى اليوم بطيئا متثاقلا وكأنه عام.

إنها الواحدة بعد منتصف الليل، أصوات كالرعد في كل مكان، أصوات راجمات الصواريخ تندمج مع أصوات الانفجارات الهائلة وأزيز الرصاص وعواء الكلاب، هكذا مضت الليلة الأولى من الرعب، ارتفع فيها صوت بكاء الأطفال ودعاء النساء ودموعهم المتناثرة على وجناتهن، وأما الرجال والشيوخ فكانوا يسبحون ويكبرون. جاء الصباح أخيرا وهدأ الضجيج قليلا، الوضع شبه هادئ ما عدا بعض الاشتباكات هنا وهناك.

ليس بعيدا عن موقعنا كانت هناك عائلات مختبئة في أحد الأقبية ينتمي أغلبها لعائلة “نوح”، ما يقارب 30 امرأة وطفلا وبعضَ الرجال، سقط على بناءهم صاروخٌ من طائرة حربية قبل أنه فراغيّ النوع وقد انهار على إثره البناء المؤلف من خمسة طوابق، حاول الدفاع المدني والمتطوعون إخراج العوائل ولكن دون جدوى، لم ينجو منهم إلا طفلة صغيرة. فقد الكثير من الشباب أحبتهم، فهذا الذي كان يبكي بحرقة بعد فقد جميع أفراد أسرته وذاك الذي فقد زوجته بعد أسبوع من الزفاف.

ومع حلول الليل ذهب الأمل في إيجاد ناجين وبقيت الجثث تحت الأنقاض لتسمى هذه الحادثة فيما بعد بمجزرة آل نوح.

تمضي الأيام والحصار يشتد شيئا فشيئا، استهلك المدنيون كلّ متاحٍ في المدينة من أغذية ووقود.

لا يوجد شيء تستطيع الحصول عليه فلا محال ولا بقالة، أحاط الدمار بكل الأبنية. أنا جائع جدا، ذهبت مع صديقي بحثا عن شيء يسدّ الرمق في البناء الذي كان يقطنه مع عائلته وبعد بحث مطوّل وفقدان للأمل وجدنا بعض الأرغفة من الخبز اليابس الذي مضى على وجوده سنة وأزيَد، فرحنا كثيرا فذهبنا إلى الحقول أيضا لنجلب بعض الأعشاب التي تُأكل، تمّ تحضير الطعام مساء، كان يوم عيد بالنسبة للجميع فهذه وليمة فاخرة بالنسبة لنا من خبز يابس متعفن تم غسله أكثر من مرة وبعض الأعشاب.

تمرّ الأيام والأشهر والسنين كان لابد للمدينة من العودة ببعض الأمل والحياة، أنشأت مجموعة من الشباب صيدلية مركزية لتوفير الأدوية بالمجان تمّ جمعها من الصيدليات المهدمة وبعض المنازل.

كما أنشأت مجموعة من النساء مدرسةً لتعليم الأطفال وتخفيف الضغط عنهم وترفيههم، كان هذا العمل بالنسبة للمدينة المحاصرة والظروف التي تعيشها أشبه بمعجزة، الأطفال في الأقبية تتعلم على ضوء خافت جدا مما كان متاحا لهم في ظلّ القصف بالبراميل المتفجرة الذي لا يكاد يتوقف صباحا لساعات حتى يعود من جديد.

إنه الأمل وإرادة الحياة لدى أهالي داريا رغم قسوة الظروف والمصاعب كالطبخ على الحطب ووجبة واحدة متاحة يوميا.

أما بالنسبة للوقود أحد أكبر مشاكلنا فبعد بحث واستقصاء وصلنا إلى بعض إخوتنا في غزة بفلسطين الحبيبة الذين أرشدونا إلى وقود بديل هو البلاستيك المنصهر.

والاتصال كان بطريقة غير معتادة إذ صنعنا من أغطية أواني الطبخ وبعض الأسلاك مقويات لشبكة الهاتف الجوال.

كانت الأيام هناك طويلةً وثقيلة، كان الجوع وقلة الطعام أكبر مشكلة واجهتنا فلم يبقى ما يسد الرمق سوى بعض الماء مع البهار والملح وبعض من حبات الذرة المطحونة.

سُرق مستودع اللجنة الإغاثية في المدينة حيث كان يحتوي على كمية من ثمار اليقطين التي كان يتم طهوها وتوزيعها.

ضاق الحال بالمدنيين ولكن الفرج آت ولو بعد حين، جارتنا مدينة معضمية الشام الملاصقة لداريا محاصرة أيضا وكانت تشاركنا نفس البؤس ولكنها تفاوض القوات النظامية وقد تم الاتفاق وفتح معبرٍ هناك، دخلت المواد الغذائية بعد مرور سنتين لم أرى فيها رغيف خبز، واليوم أمامي بيض وخبز، كان هذا أشبه بحلم، اجتمعنا خمسة أشخاص وبدأنا نطهو البيض ونأكل، تناولنا 24 رغيفا وصندوقين من البيض ولكن مازلنا جائعين!

الأيام تمر والمعبر يُدخل المواد الغذائية والناس تشتري بكل ما تملك من نقود وتقوم بتخزينه خوفا من إعادة إغلاقه وهذا ما حصل، أشهر قليلة وعاد الحصار مجددا ولكن في هذه المرة لدينا بعض الخبرة، فالجميع استطاع تخزين مقدار جيد من المواد الغذائية وبعض البذار للزراعة.

عادت المعارك، محاولات اقتحام جديدة وقصف شديد والبراميل المتفجرة أصبحت أكثر تدميرا وفتكا بالأرواح، ذهبت ضحايا كثيرة من النساء والأطفال.

عندما كنت جالسا مع صديقي في إحدى المرات سقط برميل في منتصف المدينة في الشارع الذي تسكن فيه عائلته، ذهبنا مسرعين لنجد المنزل ركاما من الحجارة تدفن زوجته الشهيدة الحامل في شهرها الثامن وطفله ابن السابعة، غرق صديقي بدموعه، كان هذا المشهد يتكرر يوميا، الموت في كل مكان.

نعم لم نمت من الجوع ولكن الحصار الجديد كان أقسى لأنّ البراميل كانت تحصد أرواح أهلنا وأحبتنا.

وأيضا لازلت أذكر سقوط برميل يحتوي النابالم على البناء المجاور، حينها اشتعل البناء وحوصر قاطنوه وبمعجزة استطعنا إخراجهم عبر فتحة في حائط البناء المجاور، كانت صرخات الأطفال أشدّ على قلوبنا من النار المستعرة.

لم يبقى شجر ولا حجر على حجر، كله دمّر حتى الحقول التي زرعناها لم تسلم من القصف والحرائق، كان الحصار يشتد أكثر فأكثر.

فصل النظام ما بين المدينتين داريا ومعضمية الشام واستولى على الأراضي الزراعية، نحن محاصرون الآن ضمن 1 كم متر مربع فقط، حكم علينا بالهلاك إما قصفا أو رميا بالرصاص، هكذا كان حديث الناس في الشارع لقد مضى على المعركة والحصار أربع سنوات.

ولكن الإرادة الإلهية تتدخل من جديد، فعبر المفاوضات تم تهجير كل من تبقى على قيد الحياة في المدينة إلى الشمال السوري لتطوى بذلك مسيرة أربع سنوات من الصمود والنضال وتبدأ مسيرة جديدة من المعاناة والتهجير.

وعن الحب والحرب

إلى مدينة داريا العزيزة:

لم يعد في قلوبنا مكان للحب، لا يا عزيزتي فذاكرتي لا ترى سوى الدمار

عذرا منك وألف عذر، ففي قلبي لن تجدي سوى الحصار

اعذري عيوني لأنها لم تعد ترى سوى الأشلاء والدماء

اعذري روحي لأنها صعدت مع آهات الأطفال إلى السماء

واعذري جسدي لأنه تمزق مع صيحات النساء

نعم، لم يعد في قلوبنا مكان للحب

فالحرب هنا دمرت كل جميل، حتى تغريد البلابل تحول إلى نعيق الغراب

وهدير الماء أشبه بصوت طائرة تنفث نارها كالبركان

نعم يا عزيزتي فالدخان هنا ما يتنفسه الإنسان

نعم يا عزيزتي إنها الحرب، لن تجدي في قلبي من مكان

إلا لأنشودة حزينة ترثي ما مضى وكان

سامحيني واعذريني وانتظري فلربما يعود بنا الزمان

ويبزغ الفجر على وطن دمره حقد أرعن وجشع الإنسان

 

تحرير: أحمد حللي.

DET Platformأمل وحصار
قراءة المزيد