التنمية الذاتية (البشرية) والساخرين منها

No comments

أسامة الخراط

مصطلح التنمية الذاتية (وهو المصطلح الدقيق بدل التنمية البشرية) يثير كثيرا من الارتياب عند الناس اليوم، والسبب الأساسي هو الجهل بهذا المجال وأيضا عدم نضج مناهجه، والثاني أنه قد جرى استغلال الاسم بشكل خاطئ، كما هي عادة البشر في محاولة استغلال أي شيء وتحويله لسلعة تجارية وبعدها غش هذه السلعة واللعب بها وتقديم شيء زائف بدل السعة الأصلية المفيدة.

والأمر هذا طبيعي ويجري في كل القطاعات، فالزراعة مثلا مهنة شريفة، ولكن عندما يحولها السيئون لتجارة استغلالية بالتعديل الجيني للمحصول ليدر كميات هائلة ولكنها لا تحمل قيمة غذائية بل مجرد شكل، وعندما تفرط في المبيدات الحشرية والهرمونات والأسمدة المنشطة واستنزاف التربة مع علمك أن كل هذا سيدمر صحة الناس والبيئة التي نعيش فيها، ساعتها قد يلعن الناس الزراعة والمزارعين، ولا يعني هذا أبدا أن الزارعة بالأصل شيء سيء وغير مطلوب.

نأتي الآن للتنمية الذاتية وأريد أن أبسط لكم الأمر (حسب وجهة نظري) وأعرفه بأنه المجال الذي يساعد الشخص على تنمية ذاته ليكون أفضل نفسيا وجسديا وعقليا وسلوكيا حتى ينعكس ذلك على أدائه ونجاحه وجودة حياته، وأقصد بجودة الحياة هي رفع جودة الشعور بالسعادة والرضا والاستقرار النفسي.

ولا أظن إنسانا عاقلا يمكنه رفض هذا المطلب الضروري والحيوي لحياته، ولكن المشكلة تأتي من اختلاط هذا المصطلح وتداخله مع عدة مجالات أخرى في الحياة منها: علم النفس، الطب النفسي، الإرشاد النفسي، الإدارة والقيادة، الدين، الأخلاق والسلوك، الصحة، علم الاجتماع وعلم التربية وغيرها.

إذا ما هو الحل في هذا التداخل الكبير جدا؟ والجواب البسيط هو أننا نحتاج إلى تنظيم مجال (التنمية الذاتية) واقتراح وتطوير مناهج واضحة فيه، والأهم أن تكون مبنية على نظرة شاملة للإنسان وهذا شيء مهم جدا جدا، أنت لست جسدا أو عقلا أو روحا، أنت شيء واحد يحتوي على كل تلك الجوانب ويجب أن نتعامل معك على هذا الأساس لو كنا نحترمك كإنسان حر ونريد مصلحتك وليس المتاجرة بك كما يحصل حاليا.

والتنمية الذاتية يجب أن تُعلّم الناس كيف يتعاملون مع أفكارهم وعقولهم ومشاعرهم وأجسادهم وأكلهم وشربهم وتنفسهم وحركتهم ونومهم ورغباتهم الجنسية وسلوكهم الأخلاقي وفهمهم لدينهم أو معتقدهم والتخطيط لأهداف حياتهم وتطوير مهاراتهم، وأخيرا الرفع المتواصل لإحساسهم بالسعادة والاستقرار (بغض النظر عن الظروف المتقلبة حولهم).

وأيضا التعامل الصحيح مع المحيط الاجتماعي حولهم على المستوى الاجتماعي كبشر، والسياسي كمواطنين، ويكون لكل ذلك منهج خاص موحد بالأصل ولكنه متدرج حسب كل طالب ومستواه وتطوره، ويبدأ الطالب بتلقي هذا المنهج من السنوات الأولى من التعليم، ويستمر المنهج بترقية الطالب حتى في فترة الجامعة وحتى بعد انتهاء الدراسة يستمر الإنسان يرتقي به من خلال العمل والمؤسسات التي ينخرط بها، وأقترح أن يكون عنوان هذا المنهج (التنمية الذاتية).

الخلاصة:

أعرف أن هذا المطلب صعب جدا تطبيقه حاليا في الوطن العربي لأسباب مختلفة، أهمها أن الفهم والوعي هذا غير منتشر بين الناس، بالتالي لو أزلنا مادة الرياضيات أو الدين من المناهج سيحتج الناس بشدة، ولكنهم لا يحسون حاليا بأي مشكلة لغياب منهج للتنمية الذاتية.

والمشكلة الأخرى باعتقادي أن رجال الدين والسياسة ومن يضعون السياسات الكبرى للدول المتخلفة، لا يهمهم كثيرا أن يصل الفرد لدرجة وعي كبيرة ويعرف حقوقه وواجباته كإنسان ومواطن، لأن هذا سيجعلهم أفرادا أحرارا مستقلين نفسيا وعقليا وماديا وغير خاضعين للابتزاز والتضليل عبر مختلف الوسائل، وهذا سيضعف من سلطة الفاسدين والمستبدين وسينهيها بدون شك خلال عقود بسيطة.

والحل الوحيد حاليا مع غياب المناهج هو أن يحاول كل فرد بشكل منفرد الوصول لمنهج (التنمية الذاتية) المناسب له وتجميعه بجهد ذاتي منه، ويضع نفسه ومن هو مسؤول عنهم على مخطط واضح مقاس بالدرجات للتطور في هذا المنهج المتكامل، ومن يملكون المال يمكنهم الاستعانة بشخص محترف يساعدهم وقد يُسمى هذا الشخص: مدربا أو (كوتش) أو مستشارا أو مربيا أو مرشدا نفسيا (سابقا كان الملوك يدفعون مبالغ كبيرة لأحكم علماء البلد ليرافق أبنائهم ويسمونه المربي، فهو من كان يعدهم نفسيا وروحيا ليكونوا قادرين على حكم دول ومسؤوليات كبيرة).

والاسم ليس مهما بل الفيصل في الأمر أن يتمتع هذا الشخص بأمرين: أن يكون قد نجح فعلا في تنمية ذاته لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن يملك منهجا وطريقة صحيحة لمساعدة الآخرين على تنمية ذاتهم.

أعرف أنها مهمة شاقة وأنا نفسي عانيت جدا في الوصول لمناهج ومعارف مفيدة مع أني من المفروض أن أكون مؤهلا لهذه المهمة لأني أحمل الماجستير في الشريعة والقانون وأعمل منذ 14 سنة في مجال الثقافة والنشر والإدارة، وقد تعرفت بشكل شخصي على مناهج متعددة في سورية ومصر والخليج، صوفية وسلفية للتربية والتهذيب والسلوك.

فما بالك بالفتاة أو الشاب البسيط، أو حتى الشخص الغير متخصص في الشأن الثقافي والفكري ويعمل (مهندسا، عالم فيزياء، طبيب، تاجرا وغير ذلك) والذي لا يعرف عن التنمية الذاتية إلا ما يسمعه في الإنترنت، وهو خليط كبير فيه الجيد والسيء والحقيقي والوهمي ويضع الإنسان في حيرة كبيرة، والإنسان دائما عدو ما يجهل.

أخيرا موضوع التنمية الذاتية هو أمر بدأ منذ آلاف السنين وفي حضارات الشرق أولا والغرب لاحقا (وله عشرات التسميات) وقد وصلت الشعوب التي اهتمت به لمراتب كبيرة جدا في التطور والابداع والحضارة، لأن المعادلة للموضوع واضحة جدا وهي وجود أفراد يتمتعون بالسعادة والاستقرار والصحة الجسدية والعقلية، هو مطلب أساسي لنشوء أي حضارة قوية ومستمرة، الناس المرضى واليائسين والمحبطين والغاضبين والتائهين عبء على أي مجتمع ومصدر للمشاكل والحروب والخسائر.

ملاحظة أخيرة مهمة: يبدأ إنشاء الفرد الصحيح والسليم عقليا وروحيا ونفسيا من أول يوم يقرر فيه رجل وامرأة الدخول في الفراش وإنجاب طفل لهذه الحياة، وعدم فهم هذا العمق في التأثير والذي بدأت الدراسات العلمية تدركه، هو أمر خطير لأن البدء متأخرا في التنمية الذاتية للفرد يجعلها من أصعب المهمات في الحياة وكلما بدأت أبكر كان الأمر أيسر، والتعليم في الصغر كالنقش على الحجر (والبداية هي في النية حين تضع نطفة في رحم امرأة وكم هي هذه النطفة صحية وقوية ومن هي البويضة التي استقبلتها).

ولو رجعت للتراث القديم ستجد آلاف القصص وأبيات الشعر والحكمة وعلم الفراسة والأنساب التي تقول لك انتبه أين تضع نطفتك وانتبهي من هو أبو ابنك، وتطور هذا اليوم ليصبح أعمق وأكثر شمولية، وساهمت بذلك الدراسات الطبية والعلمية وعلم الأجنة والجينات وتحليل الدم والنطاف، وتطور مدارس علم النفس والسلوك وطب الأعصاب وطريقة عمل الدماغ، لذلك لو أردنا تغيير الواقع الحالي يجب العمل على نشر هذه الثقافة بكل عمق وشمولية ومنهجية.

DET Platformالتنمية الذاتية (البشرية) والساخرين منها
قراءة المزيد

رسالة إلى من يحرمون السؤال

No comments

أسامة الخراط

إنّ أول جريمة ترتكب بحق الطفل هي عندما يتم إخراسه أو تجاهله عندما يبدأ بممارسة مهارة السؤال،
فأول ما يبدأ الطفل بالكلام يتجه للسؤال عن كل شيء وأي شيء، مما يسبب الحرج لوالديه والمجتمع المحيط به، والذي تعود أن يكون للأسئلة حدودا معينة ومجالا معينا، وألا تُقبل ويُرد عليها إلا لو سألها من له سلطة وقوة.

أما الطفل فهو بنظر الكثيرين لا شيء، ولا حق له بالسؤال والنقاش، ولا ضرورة للصبر عليه لأن هذا مضيعة للوقت! ومع ذلك وبسبب الفطرة الكامنة في الطفل يستمر يسأل عن كل شيء يصادفه لأن هذه هي الطريقة الوحيدة لاكتشاف العالم من حوله، وقد يسأل أسئلة محرجة في الدين والعلاقات والجنس والاختلافات بين الناس، وعن سبب تصرفاتهم وتناقضاتهم وكذبهم ونفاقهم.

ولكنه بالبداية يسأل أسئلة بسيطة، ولو تجاوب الأهل مع الاسئلة بالرد عليها واحترام أسئلته وعقله، سيبدأ يزيد من تعقيد الأسئلة وجرأتها مع تقدم السنين، بينما لو تم كبته وتخويفه وتجاهله سيتخلى عن هذه العادة للأبد بعد أن ييأس ويتعب من التجاهل، وساعتها يا خسارة، سيفقد هذا الطفل المسكين أي اهتمام بالتفكير والتعمق والفهم، ويميل للتقليد وتصديق كل ما يُقال له، وأخذ كل معلومة تصل له (صحيحة أو خاطئة) على أنها حقيقة كاملة ونهائية.

وساعتها لقد ارتكبنا جريمة بإضافة فرد للمجتمع لا فكر له ولا رأي ولا تدبير، فهو مجرد تابع ينتظر من يُشكِّله ويقوده، وسيكون هذا التشكل بحسب المجتمع الذي وُلد فيه بالصدفة، سواء كان مجتمعا شرقيا أو غربيا، أبيضا أو أسودا، مسلما أو بوذيا أو لا دينيا أو غير ذلك. فهو سيُقلد من حوله مهما كانوا وكيف كانوا بخيرهم وشرهم.

فلو كان من حوله من جماعة داعش فسيكون منهم، أو كانوا من المجرمين والشبيحة فسيكون فردا فيهم، أو من جماعة التحرر أو جماعة الانغلاق فسيكون مؤمنا بكل أفكارهم، ولو كان حظه سيئا جدا فسيصطاده جماعة المدمنين أو الفاشلين أو النصابين أو المكتئبين.

هو مجرد قشة في وجه الريح، لأنه لا يملك فكرا مستقلا يفكر فيه، ولا عقلا واعيا يدله على الصحيح، هو مجرد مقلد فقد القدرة على السؤال وبالتالي البحث عن الإجابة. وسيصبغه المجتمع المحيط به سواء كان خيرا أو شرا، أو خليطا من هذا وذاك. فالسؤال هو الطريقة الوحيدة التي تُحول الشخص من مجرد تابع إلى إنسان حر مفكر مبدع.

والمبدعون أصحاب الاختراقات المهمة في العلم والفن والاختراعات والسياسة والاقتصاد والفكر والدين، كانوا أصحاب تفكير حر، وتجرؤوا على سؤال أسئلة مجنونة بنظر الناس، كما تجرأ آينشتاين يوما وسأل: ما هو الزمن؟ فغير كل مسار العلم في القرن العشرين، وما تزال حتى اليوم إجاباته تلك تولد الأسئلة والأجوبة، وملايين العلماء يتبعون خطاه ويصنعون آلاف الاختراعات بناء على أفكاره، ومثلا لمن لم يعرف، فنظام تتبع المواقع في الجوالات (الجي بي إس) بدون معادلات آينشتاين، وفهمه لطبيعة الزمان والمكان والسرعة والضوء كان من المستحيل أن يعمل بدقة وكفاءة.

فسؤال واحد سأله آينشتاين غير العالم، رغم أن كل الدنيا ساعتها قد أجابت عليه وأقفلت باب الاسئلة حوله، ولكن الطفل في داخله كان ما زال ينبض، وقد قال آينشتاين بما معناه: أن التعليم والتربية للأطفال هي السبب الأساسي في قتل آلاف الفرص للتقدم والتغيير في العالم، ولم أكن أنا مختلفا عن الأطفال الآخرين بشيء إلا في أنني كنت قادرا على رفض كل ما أسمعه ولم أعتبره من المُسلَّمات، بل كنت أعيد التفكير فيه مرة بعد مرة حتى أصل لليقين الخاص بي تجاهه.

وفي عالمنا العربي، أُعيد اليوم فتح باب الأسئلة من الشباب، وذلك بسبب كل هذا الخراب والدمار والدماء والخيبات والفقر والبطالة والتخلف والظلم والاستبداد، فالشباب بدأ يسأل سرا وعلانية، ما هو الصحيح في كل ما تعلمناه عن الدين والله والأخلاق والقيم والمجتمع، وهل كل هذه القيود والأفكار مفيدة أساسا؟ وهل هي سبب دمارنا أم سبب نجاتنا؟

وتأكدوا أن هناك الكثير جدا مما سيتغير في العقود القادمة، ومتاريس كثيرة وضعها المجتمع ستنهار تماما، بسبب الإجابات الجديدة التي سيجدها ذلك الشباب الذي استيقظ، ومن المستحيل أن يعود لتصديق كل ما قلناه له في الماضي لأنه جربه ولم يوصله لأي نتيجة.

السؤال هو جوهر الإنسانية، وأنت حي ما دمت قادرا على أن تسأل وتشكك وتفكر.

DET Platformرسالة إلى من يحرمون السؤال
قراءة المزيد

دراسة حول تأثير مسلسلات الكرتون على سلوك الأطفال

No comments

اثبتت الدراسات أن تأثير مسلسلات الكرتون على الأطفال يكون تأثيراً تراكمياً أي لا يظهر هذا التأثير من متابعة هذه المسلسلات مدة شهر أو شهرين بل هي نتيجة تراكمات يومية تؤدي إلى نتائج عظيمة،

فكيف هو الحال إذا كانت هذه المسلسلات تعرض كماً كبيراً من العنف والخيال والسحر ونسف المبادئ والعقائد الدينية والسماوية بأسلوب غير مباشر كما في مسلسل البوكيمون، وكيف ستكون هذه النتائج عندما تعلّم هذه المسلسلات الأطفال أساليب الانتقام وكيفية السرقة وكل ما يفتح لهم آفاق الجريمة.

DET Platformدراسة حول تأثير مسلسلات الكرتون على سلوك الأطفال
قراءة المزيد