دهس المشمش في ركوب الدُلموش

No comments

دهس المشمش في ركوب الدُلموش

أول ما قدمت إلى تركيا بدأت اسأل عن معنى كل شيء أراه في الطريق، أو أبحث عنه في طور تعرّفٍ بسيطٍ ومن طرف واحد عن اللغة التركية.

 فالعربي يأتي إلى تركيا يحمل أحلاماً وردية جميلة وخيالا علميا ومنامات طفولية، كركوب الميترو والأمواج، وتسلق الجبال والتلفريك، السباحة على شط أمين أونو بقرب المساجد الكبرى التي يراها في الإنترنت، التقاط مئات آلاف الصور والسيلفي ومقاطع الفيديو والأفلام الوثائقية حول طيران النوراس، سكون القطط، ألفة الكلاب، لذة السيميت ( كعكة تركية شهية ) بالسمسم أو حبات دوار الشمس، قدم المدينة، ضخامة المساجد، الزخرفة الإسلامية، الحضارة الضائعة، أرض الخلافة المتساقطة، قصر نور ومهند، آية صوفيا وصلاة الفجر هناك، ساحة تقسيم، شارع الاستقلال، جزر الأميرات، المشي على جسر البوسفور مشبكاً يده بيد الحبيبة وهكذا.

لا يعرف العربي القادم إلى تركيا الكثير من الأشياء الأخرى، فيصطدم بواقع جميل وممتع للغاية فيما تُظهر الصور خلاف ذلك دوماً، الصور تظهر السعادة، وابتساماتنا، حب المدينة، سحر الشرق، تقدم الغرب، تراجع كوريا الشمالية، الكباب الشهي.

لنتحدث عن الدلموش مثلاً وهو موضوعنا الأساسي كما يظهر في العنوان اللطيف. الدلموش (dolmuş) اصطلاحا هو وسيلة نقل تركية شعبية خاصة. ولغة هو الممتلئ، مصدر الكلمة dolmak مليء، dol املأ، dolmuş يقال إنه مليء، يعني وسيلة نقل لطالما كانت مليئة. ويسمى بالتركية أيضاً minibus، أي الحافلة الصغيرة.

يوجد في أحدث الدلامش عشرة كراسي للجلوس مع كرسي السائق، مع أنه بالحجم أكبر من السرفيس السوري أو الميكرو باص الموجود في سوريا والذي يتسع ل١٤ راكبا جلوساً فقط.

يتشابه (شوفيرية) الدلموش والسرافيس من ناحية المواصفات الخلقية والخُلقية، نظارات شمسية صيفاً وشتاءاً، أسوء أنواع الدخان، أطواق (جمع عقد الرقبة) وخواتم وأساور، جميعهم يغضب بسرعة، يشتمون بسبب وبدون سبب، يستخدمون المزمار في كل الأماكن، منهم من يفتح معك حديثاً لا جدوى منه، لا يستوعب المكان الذي تطلب الذهاب إليه من أول مرة ويشتهرون في تركيا بلفظ (ne)، (شو؟).

يضع السائقون شعارات كثيرة حولهم وفوقهم تبدأ بعلم تركيا وعهد الدولة العثمانية وجماجم وفرق رياضية ومرايا وقطع نقود محلية وعالمية، ممنوع التدخين وإن فعلت فعليك غرامة 82 ليرة تركية (هو يدخن طبعاً) وبقربه صندوق مربع يضع فيه (الغلة أو النقود).

يقف الدلموش في كل مكان ليستقله الركاب، منتصف الطرق والساحات، على الجسور وفي الأنفاق مما يؤدي لمزيد من الازدحام في المدينة الأكثر ازدحاماً ربما.

يذكرني الدلموش بمعتقلات سوريا، ولكن الدلموش مع نوافذ ويتحرك أيضاً، في المعتقل يسجن ٦٠ شخصا في مساحة صغيرة تتسع للنصف وربما أقل، فلا يجدون مكاناً للحركة وينامون على جنوبهم بضيق يكسر العظام.

نكبس في الدلموش كبساً، ويتذمر السائق هل من مزيد؟ يطالبه الإخوة الأتراك بكفاية الموجودين فيجيب بهز رأسه ويقف للراكب التالي فوراً ليدخل مكبسة البشر التي نستقلها.

فهو ليس كالسرفيس تجلس فيه بل تقف لأن المقاعد الموجودة فيه محجوزة لكبار السن والنساء إلا إن خرجت في بداية الخط فقد يحالفك الحظ بالجلوس ولكن مع صعود أي شخص أتعبته السنون تتحرك فيك النخوة والمروءة للوقوف لأجله.

أثناء ازدحام الدلموش وازدحام المدينة، تصاب بداء الدلموش، تتعرض خلال الداء، داء تنفس، روائح غير لطيفة، وجوه عابسة وأخرى جميلة، تدافع أو تدافش (بلغة ياسر العظمة دفشني يخرب دياره).

تمسك بالحبال المتدلية من الأنابيب الصفراء المعلقة على الأطراف والسقف ولكنك مع ذلك تفقد التوازن فقد تعانق أحدهم أو إحداهن لنقل نصف عناق فربما يكون اعتذار واحدٌ كافٍ وربما سباب ناعم ضد السائق أو الشاب الذي داس على الفرامل بسرعة حتى لا يصطدم بالدلموش الذي أمامه.

في اسطنبول يوجد الكثير من هذا الدلموش وبألوان متعددة أشهرها البيج أو الكابتشينو، يوجد الأزرق والأخضر والزيتي ورأيت خارج اسطنبول ذو اللون الزهري (البينكي).

ثمن الركوب من أول الخط لآخره 2.45، ويقل بحسب قرب المكان إلى 1.80 ليرة كأقل حد.

يوجد تخفيض لطلاب المدارس والثانويات، طلاب الجامعات لا تخفيض لهم فهم لا يستحقون ذلك (خلي الباص والميترو ينفعهم).

ربما يقاس الأمر ذاته أو بأسلوب مشابه على الميترو بوس، وهي حافلات النقل الداخلي ذاتها ولكن بحافلتين وخط مسار أطول من ٤٠ كم بين آسيا وأوربا، فيمكن التشبيه مثلا من شدة الازدحام داخله (صف المكدوس في ركوب الميترو بوس).

رغم البنية التحتية الهائلة لاسطنبول من ناحية المواصلات ووسائط النقل ولكن هل تستحق كل تلك المعاناة؟!

DET Platformدهس المشمش في ركوب الدُلموش
قراءة المزيد