إلى الجيل الذي لم يُلقِ البندقية بعد

No comments

إلى الجيل الذي لم تحرفه البوصلة ولم تغيره الاصطفافات ولم تخدعه الطاولات

وظل أميناً على السّيف ألا يُغمد

وعلى الرمح ألا يُكسر

وعلى الراية ألا تهوي في الطين وتدوسها الأقدام

وعلى جراح الشهداء أن تظل المنارة

وعلى دمائهم أن تبرعم ورداً وياسميناً”

لهؤلاء أهدى الكاتب روايته تلك

لجيل لم يأتي للأسف بعد…

ربما بيننا من حملة السيف والراية بعضٌ متفرقون

على أصابع اليد يُعدّون… وممن حولهم هم مُنكرون

وسيبقى التغيير والنصر مقيداً مالم يجتمع أولئك البعض ويلتحموا…

وكحال من اكتفى بابتسامةٍ ليقع في العشق

اكتفيت أنا.. فكان الإهداء بمثابة ابتسامة لطيفة

أوقعت بي شغفاً لأكتشف ما خبأ بعده من صفحات .

لطالما كانت الروايات الواقعية أشد تأثيراً بنا من حيث لا ندري

رواية دارت أحداثها في أحد بقاع الأردن

أما بطلها….

ذلك الذي ما كان شخصاً عادياً

كان لأهله كالمنقذ المنتظر وكالفرحة المخبوءة بين طيات الأيام

وبعد صبر وترقب وتلهف

جاءت تلك الفرحة ….و جاء أحمد مولوداً أزهرت عيون أبويه بقدومه…

شبَّ حالماً طموحاً غير خانعٍ للظلم

معيناً لأمه بغياب والده المسافر

تتالت الأيام وتنامى معها طموح أحمد

طموح الثأر… الثأر من الصهاينة.. والثأر ممن دنس طهارة تراب أرضه الشريفة

كان جريئا مجنونا ً طموحاً ثائراً شريفاً …..

كان رجلاً وما كل ذكرٍ هو رجل

وفي زمننا الرجال قلة ..

تطوع في العسكرية وما زال يحمل الثأر بين جنبات روحه

وطيف المرأة التي قُتلت على أيدي الصهاينة كانت دافعاً يغزو كيانه منذ الصغر

مرت عليه الأيام في خدمته تلك وتتالت القصص والأحداث في مسيرته العسكرية

كان القاسم المشترك بينها العزة

التي يفتقدها أصحاب الألقاب والحكام وغيرهم

نعم العزة التي لم تكن لتنزرع في كل نفس

بل تختار أعالي النفوس لتقطن بها

نفوس لا تخشى إلا خالقها

مرت الأيام… تزوج أحمد… رزق بثلاثة أطفال..

وفي أحد الأيام عزم على تحقيق الحلم …

الانتقام من اليهود .. وإطفاء لهيب الثأر الذي لن يُطفئ إلا بالدم …

وفعلاً فعلها أحمد… وخط في كتاب العزة سطراً لن يمحى

وكحال حكوماتنا الذي لم يتبدل …

كان أحمد بنظرهم مجرماً ..نعم مجرم.

لأنه رفض لكرامته وكرامة دينه أن تداس بأقدام أنجاس..

بنظري ما من جُرم قد ارتُكب

وما زال لنا في القصاص حياة

فلو محونا الصهاينة عن بكرة أبيهم لما استوفينا حقنا …

وسأصم أذناي عن دعاة الإنسانية.. فكل من يدّعيها هي برآء منه ومن أمثاله

ومن ينتفض إنسانيةً لأولئك… فليراجع إنسانيته وليتأكد منها فلربما لا ينتمى لجنسنا البشري أصلاً ولا فرعاً.

ربما يصحوا أحدهم منتقداً كلامي

بأنه ينافي سنة رسولنا عليه الصلاة والسلام في الحروب

لكنني لم أعمم و أتحدث عن رأيي بتصرف أحمد

وكلنا يعرف من اليهود ويعرف إنسانيتهم..

ولطالما كانت قيمة الإنسان تُقاس بقضيته و رسالته ومبادئه في الحياة

وإن خلا الإنسان منها خلت الحياة منه وكأنه ما كان فيها ولا مر من هنا ..

وكان وما زال الأهل هم اليد الأقدر والأدوم على زراعة بذور الفضائل بوقتها المحدد

فإن شغلتهم سفاسف الحياة عن زراعتهم تلك

لاحصدوا ولا حصدت البشرية شيئاً منهم ولا من أبنائهم…

وكم كثر النسيان في زماننا .. و خف الحصاد.. وتلاشت المبادئ..

من أكثر المواقف التي تركت في نفسي ونفس أحمد ما لم يُمحى

موقف والدته وزوجته..

والدته التي لم تغفل عن زراعة الفضائل فحصدت..

وقفت كالسيف في المحكمة بين جموع الصامتين

ودعت ابنها للاعتزاز بفعله ..

كان منكسراً حينها فانجبر وشعر أن الكون وما فيه معه ما دامت أمه قد رضيت عنه

وكيف لاترضى وهي من ربته على الكرامة والعز

وأتمت زوجته حديث والدته داعمةً إياه ..

تكلمتا حين صمت الرجال من حولهما خوفاً واستكانوا .

كم هي عظيمة المرأة إن كانت سنداً على الأيام ،

معيناً للخير، لا تخشى في الله لومة لائم..

عُذب أحمد بألوان شتى

وحُكم عليه بالمؤبد…

أي منطق هذا..

وأي شرع ذاك الذي يقضي لصاحب الحق أن يكون مكبلاً و للمجرم أن يكون القاضي بالحكم.

فكانت مسيرةٌ بين جدران السجن

لا بد أن تمر

بحلوها ومرها

وأي حلاوة تلك وهل تترك السجون للأيام حلاوة تُذكر

الغربة بين الجدران في الوطن مرارة لا يشوبها طعم حلو

ولا لذنب اقتُرف بل لشجاعة لم يتجرأ عليها أحد

ولطالما كان السجن بمرارته مدرسةً من أصدق مدارس الحياة

وليس من السهل أن تعيش في تلك المدرسة قوياً

إلا إذا أحسنت التصرف والصحبة

اختار أحمد في مسيرته بين الجدران أصحاباً كُثر

لكن أدوم صحبة لازمته هي صحبة الكتاب

فاتخذ منه مؤنساً ومعيناً على الأيام .

جميلةٌ هي الكتب عندما تصبح جزءاً من كياننا

نعتادها وتعتادنا

تغوص فينا كما نغوص فيها

وتسافر بنا بعيداً بين طيات صفحاتها

كما سافرت بي حياة أحمد

فالبشر يرحلون و الكلمات وحدها تبقى ولا تَهجر..

وبعد عشرين عاماً من الأسر

تنفس أحمد الدّقامسة حريته

وما زال تحت سمائنا يتنفس ..

كانت قصة شجاعةٍ تستحق أن تُكتب وتُقرأ

وكان أيمن العتوم

بسلاسة ألفاظه

و ألقِ تراكيبه

وتناغم اسلوبه و أفكاره

الأقدر على ذلك

فلعلها تصلُ أو تُوصل إلى الجيل الذي أُهدت إليه

DET Platformإلى الجيل الذي لم يُلقِ البندقية بعد
قراءة المزيد

هل تعرف حجم الطاقة النووية في جسدك ؟

No comments

من أعظم اكتشافات القرن العشرين الفيزيائية هو اكتشاف علوم الطاقة، فبدأ الأمر باكتشاف واستغلال طاقة البخار، وبعدها الكهرباء، وبعدها النفط، وبعدها الذرَّة، ومؤخرا اكتشاف طريقة استغلال طاقة الشمس والهواء.

وأثبت العلماء أن كل شيء في الكون مكون من ذرات، وأن ما يجعل هذه الذرات تنتج الحركة والطاقة، هو قدرتنا على تحرير وتحويل هذه الطاقة للاستفادة منها.

ولكن … ما لا يدركه الكثيرون أن الإنسان ليس استثناء من هذه المعادلة، فهو بالمحصلة يملك طاقة محددة ينتجها جسده من خلال استفادته من الأكل والشرب والهواء والشمس والنوم وغيرها، فيحول هذه الطاقة لحركة جسدية وتفكير عقلي.

وقد نكون قد نجحنا في استغلال طاقة الذرَّة، فصنعنا من عدة غرامات من المادة النووية، مفاعلات جبارة وأسلحة ذرية هائلة القوة، ولكننا حتى اليوم لم نستطع استغلال طاقة البشر بشكل جيد ولم نعرف حدودها، وهي بلا شك يفوق تأثيرها الطاقة النووية بمراحل كبيرة، وكل ما نحتاجه هو توجيهها لأعمال محددة وبتركيز عالي، ودعوني أضرب لكم مثالا لأقرِّب لكم الصورة.

لو استيقظ أحدنا من الفجر وهو بكامل طاقته ودعوني أقيس طاقته بالأرقام، فالإنسان يملك يوميا 100 نقطة طاقة، هي كل رصيده قبل أن يصرفها طوال اليوم ليتعب ويضطر للنوم لتجديدها، والسؤال هنا هو: كيف سيصرف هذه ال100 نقطة خلال اليوم؟ وهنا يتمايز البشر ويختلفون.

ودعوني أعطيكم مثالا لشخص عادي في يوم من أيام عام 2017، ونضع جدولا متوقعا للطاقة التي يصرفها، وأنتم ستدركون بعدها كيف يمكن توجيه الطاقة بشكل أفضل.

 النشاط المؤدى في اليوم  مقدار الصرف من طاقة ال 100%

 العمل في مهنة معينة (تجارة، إدارة، كتابة، غناء، بحث علمي، نجارة، بناء .. إلخ)   20%

 النقاش والجدال والخصام مع الآخرين       15%

  الغضب والكره والتذمر    20%

 القلق من المستقبل والخوف من الماضي      15%

 الجنس والأكل    20%

 الحركة لقضاء الحاجات أو الرياضة 10%.

وهنا يوجد عدة ملاحظات: حجم الطاقة لا يرتبط استهلاكها دائما بحجم الوقت، فمثلا العملية الجنسية تستهلك وقتا قصيرا نسبيا، ولكنها تستنزف الطاقة بشكل أكبر من نشاط الجدال مع الآخرين مثلا.

وأيضا التفكير والقلق والخوف قد يستهلك وقتا طويلا لأنه حديث داخلي، ولكنه يستهلك طاقة أقل، إلا عند المرضى النفسيين ومنهم (مرض الوسواس القهري) فهو يستهلك 80% أحيانا من طاقتهم اليومية بسبب تركيز دماغهم على فكرة محددة سلبية وتكرارها ملايين المرات، ومقاومتهم هم لهذا التكرار.

والطاقة من خصائصها الفيزيائية أنها لا تفنى بل تتحول إلى أشكال مختلفة، ويَكمُن الرُّقي البشري في القدرة على تحويل أكبر قدر من الطاقة باتجاه العمل والإبداع والحب والتسامح والعفو والتعاون والرحمة، بدل أن يحول هذه الطاقة إلى النزاع والكره والقتال والمكر والكذب والكيد والتفكير السلبي والحرب وتطوير أدواتها وأسلحتها.

وقد كتب أحد العلماء كتابا سماه: (العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج) ، وهو كتاب عجيب جدا، تقرأ فيه سيرة عشرات العلماء ممن كرسوا كل حياتهم للعلم والكتابة والابداع، وما تلاحظه أنهم امتنعوا عن أي شيء يبدد طاقتهم من الجنس والزواج أو الخصام أو العمل التجاري أو الدخول في جدال مع الناس أو غير ذلك، فهم عمليا كرسوا 95% من طاقتهم اليومية للعلم والتفكير والتأمل والكتابة، و 5% للحد الأدنى من الأكل والحركة الضرورية جدا والتفاعل مع الناس.

وطبعا هذا شيء صعب على الناس العاديين لأنه يحتاج همة عالية، وحافزا كبيرا داخليا، ولكننا نجد نتائج هذا التركيز في توجيه الطاقة، منجزات هائلة بل غير منطقية بمقاييس البشر، فكيف يعيش شخص عدد سنوات عادي، ولكنه يقوم بإنتاج مئات آلاف الصفحات العلمية (ابن سينا ألف 200 كتاب في علوم مختلفة منها كتاب واحد في الطب يحتوي على 80 مجلدا)، ، أو ينتج أفكارا وفنونا غاية في الإبداع والتعقيد والجمال، أو نظريات علمية ورياضية وفيزيائية لم يسبقهم لها أحد في العالم ( العالم الغربي تسلا، توفي قبل مئة سنة فقيرا وحيدا، مع أن كثير من مخترعاته تقوم على أساسها كثير من الأجهزة المعقدة اليوم، من أبسطها جهاز التحكم – الرموت كنترول ).

الخلاصة: طاقتك هي رصيدك اليومي وأنت حر تماما في كيفية صرفها وتوجيهها، وتأكد أن نسب توزيع هذه الطاقة هي المسؤولة عن كل ما ستصل له في حياتك من أهداف وتميز وعطاء، وهي من ستخلد ذكراك في العالمين خيرا أو شرا

يقول آينشتاين: “ليست الفكرة في أني فائق الذكاء، بل كل ما في الأمر أني أقضي وقتاً أطول في حل المشاكل”

DET Platformهل تعرف حجم الطاقة النووية في جسدك ؟
قراءة المزيد

حل النزاعات وأهميتها في العلاقات الدولية

No comments

تعريف مصطلح حل النزاعات conflict resolution كان مختلفاً عليه في عدة مراجع وضعها علماء العلاقات الدولية، فقد اختلف علماء النفس والاجتماع في وضع تعريف واضح ومحدد للنزاع ولكن اعتبروا أن معظم التنافسات بين الجماعات المختلفة في المجتمع تشملها التعريفات التي سنذكرها في هذا الموضوع، وفي هذا الموضوع وضعنا تعريف جامع وشامل لهذا المصطلح.

من هذه التعاريف:

 فقد عرف النزاع بأنه “تلك العلاقة من التفاعل الاجتماعي بين الأفراد التي تتميز بنزاعهم على أساس الحوافز المتعارضة (الحاجات، المصالح، الأهداف، المثل العليا، القناعات)، أو الأحكام (الآراء، النظرات، التقويمات، وما شابه ذلك)” .

 وعرف بأنه “سعي الجماعات المختلفة إلى بلوغ أهداف مختلفة، سواء استخدمت في هذا النزاع الوسائل السلمية أو استخدمت فيه القوة”.

 وقد عرف النزاع كذلااك بأنه “ظاهرة عامة تظهر عندما يدرك فردان أو مجموعتان أو أكثر بان لديهم أهداف متعارضة”. ويعرف كذلك بأنه “النضال حول قيم أو مطالب أو أوضاع معينة أو قوة أو حول موارد محدودة أو نادرة، ويكون الهدف هنا متمثلا ليس فقط في كسب القيم المرغوبة بل أيضا إلحاق الضرر أو إزالة المتنافسين أو التخلص منهم”. كما وعرف أيضا بأنه “اعتقاد أطراف النزاع بأنهم سوف يتعرضون إلى نتائج غير إنسانية وبشعة وبطرق مدمرة إذا لم يتجنبوا النزاع ويرفضوه، وهو ما قد يؤدي بهم إلى إلحاق الأذى بالآخرين والعزلة”. ويعرف أخيرا  بأنه “السلوك العنيف بين مجموعتين أو أكثر لتحقيق مصالح خاصة أو لتغيير أوضاع قائمة لأغراض سياسية واقتصادية واجتماعية”.

– وقسموا النزاع وفقا لذلك على مستويين من حيث القوة، النزاع غير العنيف والنزاع العنيف:

  1_ النزاع غير العنيف (السلمي): ويتحقق هذا النزاع من خلال تحقيق المصالح والمطالب المتعارضة باستخدام آليات متقنة ومنضبطة، ومن هذه الآليات: الدساتير والقوانين والتكوين الأسري والعشائري ونظم الحكم القائمة والأحكام الدينية والأعراف والتقاليد والحوار والمؤتمرات وممارسة الطرق الديمقراطية وتطبيقها على ارض الواقع، ومن أمثلتها: الانتخابات الدورية، وما يعطيه الدستور من حقوق للأفراد والجماعات التعددية المختلفة للتعبير والمطالبة بحقوقهما العامة والخاصة بحيث لا يلجؤون الى المطالبة بها عن طريق القوة فالدستور قد كفل لهم هذه الحقوق، وكذلك الحال بالنسبة للقوانين وانظمة الحكم، وتسمى هذه الضوابط مجتمعة ب (نطاقات السلام)، والتي من شانها أن تحول دون قيام نزاعات عنيفة ومدمرة.

   2_ النزاع العنيف: وهذا النزاع يتحقق عندما تتخلى الأطراف عن الوسائل السلمية وتتجاوز نطاقات السلام، وتحاول السيطرة أو تدمر قدرات المخالف أو المعارض لها من اجل تحقيق أهدافها وغاياتها ومصالحها الخاصة. والنزاع العنيف أو أحيانا يسمى النزاع المميت يشبه النزاع المسلح ولكن يتضمن أيضا عنف من جانب واحد كما في الإبادة الجماعية ضد السكان المدنيين، أي ما يعني العنف الجسدي المباشر.

     ومما تقدم يمكن تعريف النزاع بأنه “اصطدام المصالح أو اعتقاد بان الطموحات الحالية للطرفين لا يمكن تحقيقها معا في آن واحد، سواء أكانت هذه المصالح والطموحات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية، أي أنه يمكن أن يكون نزاعا حول القيم والسلطة والموارد المحدودة”.

في هذا الرابط ،يوجد فيديو يوضح كيفية التعامل مع النزاعات وحلها بطرق واقعية .

https://youtu.be/KY5TWVz5ZDU

المصدر :

مقتطفات من رسالة بحث حول ضمانات حقوق الانسان في مجتمعات ما بعد النزاع.

DET Platformحل النزاعات وأهميتها في العلاقات الدولية
قراءة المزيد

أمل وحصار

No comments

إنها المرة الأولى التي نرى فيها الطيران الحربي يقصف من ارتفاع منخفض، امتزجت الأصوات جميعها في لحظة واحدة، صوت الطائرات والقصف والرصاص ودوي الانفجارات وأصوات التكبير من المآذن.

بدء النزوح والهرب من الموت إلى المجهول، الجميع يغادر المدينة التي بدت فيما بعد شبه خاوية.

تجولت في المدينة بسيارتي بحثا عن ملجأ في أحد الأقبية نختبئ فيه، وجدنا مصنعا للألبسة فيه القليل من المساحة الفارغة، لا أدري الآن ما مصيره ولا أدري ما يفعله كلّ من تبقى متمسكا بقرار عدم المغادرة، كنا نظن أنها أيام قليلة ستنتهي لنعود من بعدها إلى حياتنا المعتادة، مضى اليوم بطيئا متثاقلا وكأنه عام.

إنها الواحدة بعد منتصف الليل، أصوات كالرعد في كل مكان، أصوات راجمات الصواريخ تندمج مع أصوات الانفجارات الهائلة وأزيز الرصاص وعواء الكلاب، هكذا مضت الليلة الأولى من الرعب، ارتفع فيها صوت بكاء الأطفال ودعاء النساء ودموعهم المتناثرة على وجناتهن، وأما الرجال والشيوخ فكانوا يسبحون ويكبرون. جاء الصباح أخيرا وهدأ الضجيج قليلا، الوضع شبه هادئ ما عدا بعض الاشتباكات هنا وهناك.

ليس بعيدا عن موقعنا كانت هناك عائلات مختبئة في أحد الأقبية ينتمي أغلبها لعائلة “نوح”، ما يقارب 30 امرأة وطفلا وبعضَ الرجال، سقط على بناءهم صاروخٌ من طائرة حربية قبل أنه فراغيّ النوع وقد انهار على إثره البناء المؤلف من خمسة طوابق، حاول الدفاع المدني والمتطوعون إخراج العوائل ولكن دون جدوى، لم ينجو منهم إلا طفلة صغيرة. فقد الكثير من الشباب أحبتهم، فهذا الذي كان يبكي بحرقة بعد فقد جميع أفراد أسرته وذاك الذي فقد زوجته بعد أسبوع من الزفاف.

ومع حلول الليل ذهب الأمل في إيجاد ناجين وبقيت الجثث تحت الأنقاض لتسمى هذه الحادثة فيما بعد بمجزرة آل نوح.

تمضي الأيام والحصار يشتد شيئا فشيئا، استهلك المدنيون كلّ متاحٍ في المدينة من أغذية ووقود.

لا يوجد شيء تستطيع الحصول عليه فلا محال ولا بقالة، أحاط الدمار بكل الأبنية. أنا جائع جدا، ذهبت مع صديقي بحثا عن شيء يسدّ الرمق في البناء الذي كان يقطنه مع عائلته وبعد بحث مطوّل وفقدان للأمل وجدنا بعض الأرغفة من الخبز اليابس الذي مضى على وجوده سنة وأزيَد، فرحنا كثيرا فذهبنا إلى الحقول أيضا لنجلب بعض الأعشاب التي تُأكل، تمّ تحضير الطعام مساء، كان يوم عيد بالنسبة للجميع فهذه وليمة فاخرة بالنسبة لنا من خبز يابس متعفن تم غسله أكثر من مرة وبعض الأعشاب.

تمرّ الأيام والأشهر والسنين كان لابد للمدينة من العودة ببعض الأمل والحياة، أنشأت مجموعة من الشباب صيدلية مركزية لتوفير الأدوية بالمجان تمّ جمعها من الصيدليات المهدمة وبعض المنازل.

كما أنشأت مجموعة من النساء مدرسةً لتعليم الأطفال وتخفيف الضغط عنهم وترفيههم، كان هذا العمل بالنسبة للمدينة المحاصرة والظروف التي تعيشها أشبه بمعجزة، الأطفال في الأقبية تتعلم على ضوء خافت جدا مما كان متاحا لهم في ظلّ القصف بالبراميل المتفجرة الذي لا يكاد يتوقف صباحا لساعات حتى يعود من جديد.

إنه الأمل وإرادة الحياة لدى أهالي داريا رغم قسوة الظروف والمصاعب كالطبخ على الحطب ووجبة واحدة متاحة يوميا.

أما بالنسبة للوقود أحد أكبر مشاكلنا فبعد بحث واستقصاء وصلنا إلى بعض إخوتنا في غزة بفلسطين الحبيبة الذين أرشدونا إلى وقود بديل هو البلاستيك المنصهر.

والاتصال كان بطريقة غير معتادة إذ صنعنا من أغطية أواني الطبخ وبعض الأسلاك مقويات لشبكة الهاتف الجوال.

كانت الأيام هناك طويلةً وثقيلة، كان الجوع وقلة الطعام أكبر مشكلة واجهتنا فلم يبقى ما يسد الرمق سوى بعض الماء مع البهار والملح وبعض من حبات الذرة المطحونة.

سُرق مستودع اللجنة الإغاثية في المدينة حيث كان يحتوي على كمية من ثمار اليقطين التي كان يتم طهوها وتوزيعها.

ضاق الحال بالمدنيين ولكن الفرج آت ولو بعد حين، جارتنا مدينة معضمية الشام الملاصقة لداريا محاصرة أيضا وكانت تشاركنا نفس البؤس ولكنها تفاوض القوات النظامية وقد تم الاتفاق وفتح معبرٍ هناك، دخلت المواد الغذائية بعد مرور سنتين لم أرى فيها رغيف خبز، واليوم أمامي بيض وخبز، كان هذا أشبه بحلم، اجتمعنا خمسة أشخاص وبدأنا نطهو البيض ونأكل، تناولنا 24 رغيفا وصندوقين من البيض ولكن مازلنا جائعين!

الأيام تمر والمعبر يُدخل المواد الغذائية والناس تشتري بكل ما تملك من نقود وتقوم بتخزينه خوفا من إعادة إغلاقه وهذا ما حصل، أشهر قليلة وعاد الحصار مجددا ولكن في هذه المرة لدينا بعض الخبرة، فالجميع استطاع تخزين مقدار جيد من المواد الغذائية وبعض البذار للزراعة.

عادت المعارك، محاولات اقتحام جديدة وقصف شديد والبراميل المتفجرة أصبحت أكثر تدميرا وفتكا بالأرواح، ذهبت ضحايا كثيرة من النساء والأطفال.

عندما كنت جالسا مع صديقي في إحدى المرات سقط برميل في منتصف المدينة في الشارع الذي تسكن فيه عائلته، ذهبنا مسرعين لنجد المنزل ركاما من الحجارة تدفن زوجته الشهيدة الحامل في شهرها الثامن وطفله ابن السابعة، غرق صديقي بدموعه، كان هذا المشهد يتكرر يوميا، الموت في كل مكان.

نعم لم نمت من الجوع ولكن الحصار الجديد كان أقسى لأنّ البراميل كانت تحصد أرواح أهلنا وأحبتنا.

وأيضا لازلت أذكر سقوط برميل يحتوي النابالم على البناء المجاور، حينها اشتعل البناء وحوصر قاطنوه وبمعجزة استطعنا إخراجهم عبر فتحة في حائط البناء المجاور، كانت صرخات الأطفال أشدّ على قلوبنا من النار المستعرة.

لم يبقى شجر ولا حجر على حجر، كله دمّر حتى الحقول التي زرعناها لم تسلم من القصف والحرائق، كان الحصار يشتد أكثر فأكثر.

فصل النظام ما بين المدينتين داريا ومعضمية الشام واستولى على الأراضي الزراعية، نحن محاصرون الآن ضمن 1 كم متر مربع فقط، حكم علينا بالهلاك إما قصفا أو رميا بالرصاص، هكذا كان حديث الناس في الشارع لقد مضى على المعركة والحصار أربع سنوات.

ولكن الإرادة الإلهية تتدخل من جديد، فعبر المفاوضات تم تهجير كل من تبقى على قيد الحياة في المدينة إلى الشمال السوري لتطوى بذلك مسيرة أربع سنوات من الصمود والنضال وتبدأ مسيرة جديدة من المعاناة والتهجير.

وعن الحب والحرب

إلى مدينة داريا العزيزة:

لم يعد في قلوبنا مكان للحب، لا يا عزيزتي فذاكرتي لا ترى سوى الدمار

عذرا منك وألف عذر، ففي قلبي لن تجدي سوى الحصار

اعذري عيوني لأنها لم تعد ترى سوى الأشلاء والدماء

اعذري روحي لأنها صعدت مع آهات الأطفال إلى السماء

واعذري جسدي لأنه تمزق مع صيحات النساء

نعم، لم يعد في قلوبنا مكان للحب

فالحرب هنا دمرت كل جميل، حتى تغريد البلابل تحول إلى نعيق الغراب

وهدير الماء أشبه بصوت طائرة تنفث نارها كالبركان

نعم يا عزيزتي فالدخان هنا ما يتنفسه الإنسان

نعم يا عزيزتي إنها الحرب، لن تجدي في قلبي من مكان

إلا لأنشودة حزينة ترثي ما مضى وكان

سامحيني واعذريني وانتظري فلربما يعود بنا الزمان

ويبزغ الفجر على وطن دمره حقد أرعن وجشع الإنسان

 

تحرير: أحمد حللي.

DET Platformأمل وحصار
قراءة المزيد

لوحة شهيد

No comments

أبدعت لينا المهر  والتي تبلغ من العمر 24 سنة، في رسمها للوحة شهيد ، حيث عبرت عن كل قلب مكسور بقلمها وألوانها من قلب مدينة الغوطة، وذلك ضمن مشروع إيماءة،  حيث يذكر أن فريق إيماءة هو فريق فني يعمل على إنتاج محتوى يصب في خدمة أحرار سوريا ويعمل على إنتاج سلسلة من الأفلام التي تحكي عن القضية السورية.

   

DET Platformلوحة شهيد
قراءة المزيد

دولورِس إيباروري

No comments

لاباسيوناريا

من مناجم فيزكايا الباسكية أينعت زهرة الحب تلك، زهرة الكفاح والنضال ضد أشكال الظلم كافة، لتكون رمزا من رموز الحرية وإن لم تنتصر.

ولدت دولورس إيباروري في التاسع من كانون الأول عام 1895 لأسرة فقيرةٍ تعمل في المناجم في إقليم الباسك الإسباني.

كانت نشأتها الأولى كأي طفلٍ عاديٍّ في ذلك الوقت، تعمل في المناجم مع والديها ليؤمنوا كفاف يومهم، حتى جاء اليوم الذي قلب حياتها رأسا على عقب.

في أحد أيام عام 1903 قام العمال بإضرابٍ عن العمل نتج عنه اعتقال العديد من رجال المناجم، فما كان من النسوة والأطفال ومن بينهم دولورس إلا أن قاوموا القوات الحكومية بالسلاح والمتفجرات مستغلين بيئة أرضهم الجبلية، كانت هذه الحادثة بداية الحياة السياسية لإيباروري ونقطة تحولها.

انضمت دولورس عام 1917 إلى الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، لتكون عضوا مكافحا وفعالا فيه، إلى أن انتسبت للحزب الشيوعي الإسباني عام 1921 والذي أسسه عمالٌ ثوريون متأثرون بتجربة الحزب الشيوعي السوفييتي.

في عام 1925 اشتهرت دولورس بلقب “لاباسيوناريا” الذي يعني طوق الزهور أو زهرة الحب، إذ كانت تستعمل هذا اللقب للتوقيع على مقالاتها المنشورة في الجرائد المحلية.

في عام 1931 أصبحت عضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الإسباني، مما أدى لاعتقالها ثلاث مرات بين 1932 و1936، عانت في هذه الفترة من الجوع والفقر والنفي.

تابعت دولورس نشاطها السياسي باشتراكها في المؤتمر السابع للأممية الشيوعية عام 1935، وتم انتخابها كعضو في “البريزيديوم الأممي”، ونجحت بالتعاون مع الأمين العام للحزب آنذاك “خوسيه دياز” باجتذاب بعض القطاعات من الطبقة البرجوازية المثقفة.

انتخبت دولورس إيباروري لمنصب نائب رئيس البرلمان الإسباني عام 1936، فكانت تسافر لبعض الدول الأوروبية تحثهم على دعم إقامة الجمهورية الديمقراطية في إسبانيا، وكانت تلزم المقاتلين على الجبهات طيلة الحرب الأهلية الإسبانية، محفزة إياهم بشعاريها “لن يمروا” و “من الأفضل أن نموت واقفين على أن نحيا راكعين” اللذان ما زالا يُرددان على الألسنة حتى اليوم.

في السادس من مارس عام 1939 أعلنت هزيمة الجمهوريين واضطرت إيباروري لمغادرة إسبانيا إلى موسكو مركز الشيوعية العالمية، حيث بقيت خارج إسبانيا مدة ثمانٍ وثلاثين عاما.

في العام 1942 وبعد موت خوسيه دياز، انتخبت دولورس إيباروري أمينة عامة للحزب لتكون أول امرأةٍ تشغل هذا المنصب.

وفي العام 1948 انتقلت قيادة الحزب لمدينة تولوز الفرنسية إلا أنّ نشوب الحرب الباردة اضطر دولورس للعودة إلى موسكو.

في يناير عام 1960 انتخبت دولورس رئيسة للحزب الشيوعي الإسباني وخلفها في منصب الأمين العام سانتياجو كاريو الذي كان عضوا في اللجنة المركزية الإسبانية.

عادت دولورس إلى إسبانيا عام 1977 وانتخبت في السنة ذاتها كنائبةٍ عن إقليم أستوريا، عارضت فيما بعد أفكار حزبها ونهجه المتبع إلا أنّ منصبها كان شرفيا لا يسمح لها بالتصدي لأخطائه.

في الثاني عشر من تشرين الثاني عام 1989 توفيت لاباسيوناريا في العاصمة الإسبانية مدريد عن عمرٍ يناهز الثلاثة والتسعين عاما، وخرج في جنازتها مليونا شخصٍ كان معظمهم من العمال والفلاحين الذين أفنت حياتها في سبيل حريتهم،

ليطوي التاريخ صفحة من صفحات النضال ضد الفقر والاستعباد، وتكون دولورس رمزا من رموز الحرية لكل أحرار العالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

كتاب “لن يمروا، لحظات لا تنسى” تأليف: دولورس إيباروري

ويكيبيديا

DET Platformدولورِس إيباروري
قراءة المزيد

العشاء الأخير

No comments

كان الفرسانُ الأربعةُ للفريق الفرنسي مجتمعين على مائدةِ الطعام في عشاءهم الأخير، يتناقشون أمر مباراة الإياب ضد الفريق الكتالوني. فسألهم ماركو فيراتي أحدُ لاعبي الوسط: ما هو رأيكم إذا ما خسرنا بخمسةَ أهدافٍ لواحد! فهل ستسعدون؟

DET Platformالعشاء الأخير
قراءة المزيد

النبي المحظور

No comments

النبي المحظور,,, فيلم يسلط الضوء على تقديس رجال الدين والتطرف

النبي المحظور، من أفلام الدراما التسجيلية التليفزيونية التي أثارت اهتماما غبر مسبوق في الولايات المتحدة ثم عند عرضه على الشاشات الأوروبية، اسم الفيلم الذي يعني حرفيا النبي الخارج على القانونOutlaw Prophet  2014.

DET Platformالنبي المحظور
قراءة المزيد

دهس المشمش في ركوب الدُلموش

No comments

دهس المشمش في ركوب الدُلموش

أول ما قدمت إلى تركيا بدأت اسأل عن معنى كل شيء أراه في الطريق، أو أبحث عنه في طور تعرّفٍ بسيطٍ ومن طرف واحد عن اللغة التركية.

 فالعربي يأتي إلى تركيا يحمل أحلاماً وردية جميلة وخيالا علميا ومنامات طفولية، كركوب الميترو والأمواج، وتسلق الجبال والتلفريك، السباحة على شط أمين أونو بقرب المساجد الكبرى التي يراها في الإنترنت، التقاط مئات آلاف الصور والسيلفي ومقاطع الفيديو والأفلام الوثائقية حول طيران النوراس، سكون القطط، ألفة الكلاب، لذة السيميت ( كعكة تركية شهية ) بالسمسم أو حبات دوار الشمس، قدم المدينة، ضخامة المساجد، الزخرفة الإسلامية، الحضارة الضائعة، أرض الخلافة المتساقطة، قصر نور ومهند، آية صوفيا وصلاة الفجر هناك، ساحة تقسيم، شارع الاستقلال، جزر الأميرات، المشي على جسر البوسفور مشبكاً يده بيد الحبيبة وهكذا.

لا يعرف العربي القادم إلى تركيا الكثير من الأشياء الأخرى، فيصطدم بواقع جميل وممتع للغاية فيما تُظهر الصور خلاف ذلك دوماً، الصور تظهر السعادة، وابتساماتنا، حب المدينة، سحر الشرق، تقدم الغرب، تراجع كوريا الشمالية، الكباب الشهي.

لنتحدث عن الدلموش مثلاً وهو موضوعنا الأساسي كما يظهر في العنوان اللطيف. الدلموش (dolmuş) اصطلاحا هو وسيلة نقل تركية شعبية خاصة. ولغة هو الممتلئ، مصدر الكلمة dolmak مليء، dol املأ، dolmuş يقال إنه مليء، يعني وسيلة نقل لطالما كانت مليئة. ويسمى بالتركية أيضاً minibus، أي الحافلة الصغيرة.

يوجد في أحدث الدلامش عشرة كراسي للجلوس مع كرسي السائق، مع أنه بالحجم أكبر من السرفيس السوري أو الميكرو باص الموجود في سوريا والذي يتسع ل١٤ راكبا جلوساً فقط.

يتشابه (شوفيرية) الدلموش والسرافيس من ناحية المواصفات الخلقية والخُلقية، نظارات شمسية صيفاً وشتاءاً، أسوء أنواع الدخان، أطواق (جمع عقد الرقبة) وخواتم وأساور، جميعهم يغضب بسرعة، يشتمون بسبب وبدون سبب، يستخدمون المزمار في كل الأماكن، منهم من يفتح معك حديثاً لا جدوى منه، لا يستوعب المكان الذي تطلب الذهاب إليه من أول مرة ويشتهرون في تركيا بلفظ (ne)، (شو؟).

يضع السائقون شعارات كثيرة حولهم وفوقهم تبدأ بعلم تركيا وعهد الدولة العثمانية وجماجم وفرق رياضية ومرايا وقطع نقود محلية وعالمية، ممنوع التدخين وإن فعلت فعليك غرامة 82 ليرة تركية (هو يدخن طبعاً) وبقربه صندوق مربع يضع فيه (الغلة أو النقود).

يقف الدلموش في كل مكان ليستقله الركاب، منتصف الطرق والساحات، على الجسور وفي الأنفاق مما يؤدي لمزيد من الازدحام في المدينة الأكثر ازدحاماً ربما.

يذكرني الدلموش بمعتقلات سوريا، ولكن الدلموش مع نوافذ ويتحرك أيضاً، في المعتقل يسجن ٦٠ شخصا في مساحة صغيرة تتسع للنصف وربما أقل، فلا يجدون مكاناً للحركة وينامون على جنوبهم بضيق يكسر العظام.

نكبس في الدلموش كبساً، ويتذمر السائق هل من مزيد؟ يطالبه الإخوة الأتراك بكفاية الموجودين فيجيب بهز رأسه ويقف للراكب التالي فوراً ليدخل مكبسة البشر التي نستقلها.

فهو ليس كالسرفيس تجلس فيه بل تقف لأن المقاعد الموجودة فيه محجوزة لكبار السن والنساء إلا إن خرجت في بداية الخط فقد يحالفك الحظ بالجلوس ولكن مع صعود أي شخص أتعبته السنون تتحرك فيك النخوة والمروءة للوقوف لأجله.

أثناء ازدحام الدلموش وازدحام المدينة، تصاب بداء الدلموش، تتعرض خلال الداء، داء تنفس، روائح غير لطيفة، وجوه عابسة وأخرى جميلة، تدافع أو تدافش (بلغة ياسر العظمة دفشني يخرب دياره).

تمسك بالحبال المتدلية من الأنابيب الصفراء المعلقة على الأطراف والسقف ولكنك مع ذلك تفقد التوازن فقد تعانق أحدهم أو إحداهن لنقل نصف عناق فربما يكون اعتذار واحدٌ كافٍ وربما سباب ناعم ضد السائق أو الشاب الذي داس على الفرامل بسرعة حتى لا يصطدم بالدلموش الذي أمامه.

في اسطنبول يوجد الكثير من هذا الدلموش وبألوان متعددة أشهرها البيج أو الكابتشينو، يوجد الأزرق والأخضر والزيتي ورأيت خارج اسطنبول ذو اللون الزهري (البينكي).

ثمن الركوب من أول الخط لآخره 2.45، ويقل بحسب قرب المكان إلى 1.80 ليرة كأقل حد.

يوجد تخفيض لطلاب المدارس والثانويات، طلاب الجامعات لا تخفيض لهم فهم لا يستحقون ذلك (خلي الباص والميترو ينفعهم).

ربما يقاس الأمر ذاته أو بأسلوب مشابه على الميترو بوس، وهي حافلات النقل الداخلي ذاتها ولكن بحافلتين وخط مسار أطول من ٤٠ كم بين آسيا وأوربا، فيمكن التشبيه مثلا من شدة الازدحام داخله (صف المكدوس في ركوب الميترو بوس).

رغم البنية التحتية الهائلة لاسطنبول من ناحية المواصلات ووسائط النقل ولكن هل تستحق كل تلك المعاناة؟!

DET Platformدهس المشمش في ركوب الدُلموش
قراءة المزيد

المنبوذون

No comments

 المنبوذون.. فيلم فرنسي يطرح مفهوما مميزا عن بهجة الإنسان وسعادته

 الفيلم الفرنسي Intouchables “المنبوذون” 2011، فيلم درامي ممزوج بمواقف كوميدية، للمخرجين إيريك توليدانو وأوليفير ناكاش، تطغى عليه البساطة بلا تعقيدات نفسية أو صراخ أو لقطات فجه.

DET Platformالمنبوذون
قراءة المزيد