معارج المحبين .. للكاتب شادي أبو عويمر
13 أكتوبر، 2017

معارج المحبين .. للكاتب شادي أبو عويمر

Preacher:
Series:
Passage: معارج المحبين

في هذا الكتاب ستتعرف على معنى الحب الحقيقي، ستتعرف على مفاهيم الغزل، سوف يأخذك الكاتب برحلة روحية تسمو بها مع الحب عبر العصور وعبر الثقافات الإنسانية، ستعرف عن الحب العفيف ونشأته في قبيلة بني عذرة وقبيلة بني عامر اللتان اشتهرتا بالحب العذري حيث كان قد تميز العذريون بصدق محبتهم وإخلاصهم في الحب المفضي إلى الجنون أحياناً، حتى ماتوا من شدة الوجد وحرارة العشق، وكيف كان للإسلام الأثر الكبيرعلى أنفس الشعراء والذي يتجلى من خلال أشعارهم وقصائدهم.

الكاتب الدكتور شادي أبو عويمر قدم لنا دراسة تحليلية نقدية للغزل العفيف في العصر الأموي، وكيف كانت الحالة السياسية آنذاك شبه مستقرة بعد الفتوحات والانتصارات الكبيرة التي حققها الأمويون، بالإضافة إلى الأجواء الاجتماعية التي سادت بعد ذلك من ترف وغناء، كل هذا ولد صناعة شعرية لم يكن لها مثلاً لا من قبل ولا من بعد.

كانت الحالة الوجدانية في القصيدة العربية في العصر الأموي متأثرة جدا بقيم الإسلام والخطاب القرآني الكريم، من دعاء وقسم وتضرع وشكوى إلى الله عز وجل وتوبة واقتباسات من القرآن وتفضيل المحبوبة على سائر النساء كفضل ليلة القدرعلى باقي الليالي حين قال قيس ليلى:

لقد فضلت ليلى على الناس مثلما                              على ألف شهر فضلت ليلة القدر

و ستتعرف على أشهر الشعراء العذريين مثل جميل بثينة، ذلك الشاعر الذي كان ضحية التقاليد والعادات البالية حين رفضه أهل محبوبته عندما جاء لخطبتها، فما كان له إلا المعاناة في حياته من بكاء وحزن وألم الفراق فها هو قد آثر أن يدفن حكاية عشقه في قلبه، على أن يعصي الله حين قال:

إلى الله أشكو ما ألتقي من الهوى                                           ومن حرق تعتادني، وزفير

سأبكي على نفسي بعين غريزة                                           بكاء حزين في الوثاق، أسير

كان مؤمناً بهذا الحب العفيف النقي، فهذه لغة المحبين الصادقين.

أما قيس ليلى فهذه قصة لا تزيدك إلا جنوناً كصاحبها تماماً، اشتد عليه المرض عندما علم أنه لن يرى ليلى بعد ذلك، وعاف الطعام والشراب وعاش مستوحشا، كيف لا وليلى هي التي جعلته يذوق لوعة الحب والتسامح حين قال:

أحبك حبا قد تمكن في الحشا                                           له بين جلودي والعظام دبيب

حتى علم بزواجها وجن جنونه، فأخذه أباه إلى الكعبة ليدعو الله له بالشفاء، حتى طلب منه أبوه أن يتمسك بستار الكعبة ويسأل الله البر والشفاء من حب ليلى، فما كان له إلا أن تعلق بأستار الكعبة ورفع صوته بالدعاء: ( اللهم زدني لليلى حباً، وبها كلفاً، ولا تنسني ذكرها)، فيئس منه أبوه وعاد به، وظل قيس على حاله هذه هائماً على وجهه، متفرداً في حبه، آنساً لرؤية الظباء، حتى وجدوه ميتاً مرمياً بين الحجارة، فانتشلوه وغسلوه ودفنوه.

وهذا قيس بن ذريح الذي أحب لبنى حباً عفيفاً إلى أن تزوجها، ولكن لا بد من ألم في حظه التعيس، حين جاء أبوه يوماً ما وأقسم عليه إلا أن يطلق لبنى بعد ما علم باستحالة إنجابهم، فقال قيس: لست متزوجاً غيرها أبدا، فينصرف عنه ويدخل إلى لبنى فيعانقها وتعانقه ويبكي وتبكي معه، وتقول له: يا قيس لا تطع أباك فتهلك وتهلكني، فيقول: ما كنت لأطيع أحداً فيكِ، حتى أجبره المجتمع على الطلاق منها فمرض مرضاً شديداً بعد فعلته هذه وسخط على نفسه، لم تعجبه بعد ذلك أحداً من النساء، وتزوجت لبنى من رجل آخر، فجزع قيس وجعل ينسج أحر نسيج ويبكي أحر بكاء، ثم ركب من فوره حتى أتى محلة قومها، فناداه النساء، ما تصنع الآن ها هنا! قد نقلت لبنى إلى زوجها! وجعل الفتيان يعارضونه بهذه المقالة وما أشبهها، وهو لا يجيبهم حتى أتى موضع خبائها فنزل عن رحلته وجعل يتمعك في موضعها ويمرغ خده على ترابها ويبكي أحر بكاء، واختلفت الرواة في نهاية حبهما اختلافا كبيرا، فذكر أكثرهم أنهما ماتا متفرقين، فذهبت جماعة من الفريق الأول إلى أنه مات قبلها، وبلغها ذلك، فماتت أسفا عليه، وذهبت جماعة أخرى إلى أنها ماتت قبله، ومات بعدها، ورووا أنه بعد أن ماتت خرج قيس ومعه جماعة من أهله، فوقف على قبرها فقال:

ماتت لبنى فموتها موتي                                                               وهل تنفعن حسرتي على الفوت

وسوف أبكي بكاء مكتئب                                                                قضى حياة وجدا على ميت

وها هو كثيّر عزة الذي كان له حالة مميزة في حبه لعزة مع قصة يتخللها وفاء منقطع النظير حتى تعذب بإبعاد هذا الحب حين تزوجت من رجل آخر فقصر شعره عليها من دون النساء وطاب له الحرمان والهجر، فما كان من زوجها إلا أن ابتعد بها منتقلا من المدينة إلى مصر، ويوم الرحيل، يوم لا ينسى، فقد شاهدها راحلة وهو واقف، بعيدا، مودعا، وألم الفراق يعتصر قلبه، وعزة تنظر إليه واجمة.

ولما بلغه نعي عزة، وكان في الحجاز، وقبر عزة في مصر، سافر مع أحدهم ليرشده إلى قبرها، حتى وصل إلى موضع القبر، فوضع يده عليه ودمعه يجري ويقول:

فيا عز أنت البدر قد حال دونه                              رجيع التراب والصفيح المضرح

وقد كنت أبكي من فراقك حية                               فأنت لعمري، اليوم أنأى وأنزح

لقد التزم عقد حبها في قلبه الذي لم يتعلق سواها، تسيره روحه المتيمة ويأخذه قلبه الولهان إلى ضريح عزة، ويقف وقفة الوفاء ليجدد عهد الحب، وتسيل أنهار الدموع لتروي تربتها ناقلة عبر حبات الرمل حزنه وهمه بعد فقدها، مؤكدا لها أن يوما لم تجف مدامعه وقد بكى فراقها حية، لقد كان نفسها في الحياة يواسيه، أما اليوم فما الذي يصبره على البعد الذي غيبها عنه بلا عودة.

وهكذا عبرت قصيدة الغزل العفيف عن قيمة الحب الروحية التي لا ينكرها الدين ولا يعارضها، بل زين هذه القيمة برباط اجتماعي مقدس في مؤسسة الزواج، بالإضافة إلى أن ظاهرة الحب العفيف أثرت المكتبة العربية بمخزون من الصور الفنية الصادقة والشعر الفصيح المتين، ودعا هذا الكتاب إلى أهمية الترويج لقيمة الحب العفيف ونفي الشبهة الملازمة للفظة الحب المرتبطة للأسف الشديد، بالعلاقات غير الشرعية، أوالممارسات الخاطئة، المنتشرة بين شبابنا في هذه الأيام، نتيجة الفهم المغلوط للحب، في ظل تحفظ أهل العلم والرأي، والكثير من الأدباء، خوفا من انتشار الرذيلة، أو إساءة استخدام المفهوم، مما استدعى وأد هذه القيمة العظيمة التي لو بعثت بثوبها الإسلامي الجميل، لعم الخير والصلاح، ولانتشرت قيم العفو والتسامح، والسلام والمحبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *