أبي

No comments

أنس القصير

مع كل يوم أكبر فيه أرى شعرة بيضاء جديدة تزين رأسك وأستنير طريقي من بريق لحيتك.

أنت من أمسك بيدي فخضت بي غمار الحياة كي أصير رجلا أصارع الصعاب وأتخطى المسافات نحو المستقبل.

كنت قد فكرت مليا في هذه الحياة، الأب سنة من سننها قد أوجده الله ليحمل ذلك الحمل الثقيل على كاهله، فذاك آدم وهذا أبي وبينهما الآباء قد توالت حتى ولدت أنا لأصير أبا أحمل بعد ذلك رسالة آبائي.

عذرا منك أبي فقد حملتني نحو الحياة وحملتك نحو قبرك، لم أكن أقصد أن أهيل عليك التراب لتغيب عن الدنيا وتغيب عن ناظري، ولكن الله جعل ذلك إكراما للمغادرين.

لقد ترقبت ظهرك الذي كان يتقوس في كل يوم مع تقوس الغروب نحو إشراق جديد، كان قلبي يحترق ويتلاشى كما الشمعة تنير الأمكنة على حساب وجودها ولكنك سبقتني وجعلت من نفسك قدوة حتى في هذه.

كم من جائزة عالمية وبراءة اختراع خيالية وتصرفات أسطورية وعوالم افتراضية سلبت عقول الناس بإعجازها وهي في الحقيقة لا تساوي عندي شيئا أمام إنجازاتك بي يا والدي.

كم من كتاب قرأته طيلة حياتي يحوي بين دفتيه أسماء العظماء وفي الحقيقة لم أجد اسما لرجل أعظم منك يا والدي.

أول شي رأيته في هذه الدنيا عيناك التي لم يغادرني بريقها طيلة حياتي، عيناك التي بكت عند بكائي.

عيناك لغة أخرى كنا نتكلم بها كي لا يفهمنا أحد، كانت كلماتك تصلني مع كل طرفة نحوي.

يدك التي مسحت جسدي مرارا كي تزيح عني ألم المرض عندما كنت صغيرا، ولكي تزيح عني ألم الصعاب طبقا عن طبق حتى صرت كبيرا.

لم أنس يوما أن أشكر صنيعك يا والدي وقرنت شكرك بحبيبتي وقرة عيني أمي كما علمني ربي في كل إقبال للشمس وإدبار، رب اغفر لي ولوالدي رب ارحمهما كما ربياني صغيرا.

DET Platformأبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *