أطلال

No comments

محمد ملاك قاسم

“ويمرُّ بي طيفها وتسكن الأحلام، جميلة وأحبّها واسمها شآم”.

لا كلام يصف حال مغترب عن بلده، قلّما شعرت بالحنان في هذه الأرض رغم حبي لها وتعلّقي بها وتمسّكي بالبقاء فيها دون سواها. ذاك الحنان الذي كنت تبثّينه في صدري كلّما انكسرت أو جرحت، جدرانك التي ملأت عينيّ عبقاً وشبقاً، حاراتكِ التي أكلت من قدميّ قطعة كما يقال!

أتذكر المرور من نسختكِ القديمة، أيامَ الخميس والجمعة، حيث تهيمن الأسواق و(البسطات) والباعة على المساحات الضيّقة، وترى بائعي الحبّ بأوجه بشوشة، يتهافتون عليك بتزاحم، متلهّفين لبضع كلمات من الشكر وبضع ليرات يسدّون بها جوعهم وجوع أبنائهم.

لا شكّ أنَّ اسطنبول من أجمل مدن العالم، حيث الطبيعة والمساحات الشاسعة. حتى لتزاحم السكانِ فيها جمال معيّن! بل وحتى لمرارة الرّكوب في المواصلاتِ أثرٌ في النّفس! أمر من الغرابةِ بمكان! كأنَّ روحاً ما سكنت هذه البقعة من الأرض! ترى فيها كلّ أصناف البشر، لونا وعرقا ودينا وقومية!

لستُ بصدد الحديث عن اسطنبول أكثر من ذلك، فهذه الكلمات خصّصتها لكِ، خصّصتها لإيصالِ شوقي لكلِّ تفاصيلك، وكأنّكِ من حسنك سكنْتِ الجزء الأكبر في قلبي، حيث لا مجال لبيع شبر منه، لا مجال حتى للتّفكير في ذلك.

حيّي الصغير، القابون، ولدتُ وترعرعت فيه. كان له الأثر الأكبر في نفسي، كنت أعشق تفاصيله، والجولة على الدراجة متنقّلا بين أزقّته المختلفة المساحات، حيث الضيّقة تنتهي بالعريضة، والعكس أحياناً.

واللهِ لو خيروني بين امتلاك كنز لا تحصى قيمته، أو القيام بجولة واحدة على الدّراجة كما الزمنِ القديمِ، لاخترتُ الجولة! شعورٌ مزيج من الفرح والجنون والنشوة لا يقدَّر بأيّ كنز.

كيف أنسى حارة منزلي، وحارة منزل جدّي، حيث كسرنا أنا وأولاد أعمامي كلّ نوافذ بيوت الحارة ألف مرّةٍ على الأقل، بكراتنا التي كنّا نبكي على كلّ واحدة منها عندما يمزّقها جارنا المتجهّم بقلب بارد كلّما دخلت منزله.

هو نفسه ذلكَ الجار الذي كان يعطينا بسكويتا كلّما شاهدنا، يعطينا بسكويتا في الصّباحِ ويمزّق كرتنا عند المغرب!

كيف أنسى باعة الفلافل وأفران الخبز والسّاحات والمقاهي في كلّ بضعة أزقّة! كيفَ لا أحنُّ لبائع الجبنِ والزيتونِ و(الشنغليش) و(المكدوس)! كيف لا أشتاق -رغم شتمي له وللسائق ولوالده ولأبنائه وللمواصلات ككل- لركوب (السرفيس أو المكرو) وتحديد طريقة الرّكوب المرغوبة باستخدام كفّ اليد!

كيف لا أحنُّ لمدرستي الأولى والثانية والثالثة والرابعة! كيف أنسى كلّ من مرّوا فيهم من أصدقاء ومعلّمين، وأشخاصاً كنّا نكرههم ونضربهم ويضربوننا! والهروبَ من المدرسة أثناء الدوام، ونصب الفخاخ للمعلمين، والشّتائم من المُوَجّهِ مع بعض الحيل الرّخيصة للإيقاع بنا، والتراشق بقطع المقاعد المكسورة، والعصيّ التي نفخت يداي، والفصل الداخلي والخارجي، حيث كان متوسّط مدّته ثلاثة أيام!

كيف أنسى مسجدي (مسجد الحسن)، الذي كان له الفضل الأكبر في إنشاء شخصيّتي وتعريف مبادئي، وأستاذي صاحب القلب الطيب والرّوح الجميلة الذي لا أعلم عنه شيئاً الآن، كيف أنسى مدى عشقنا له وتأثيره فينا! وكيف لا أشتاق للرّحلات و(السيارين) والمخيّمات التي قضينا فيها أنبل وأندر وأحلى المواقف! لكن..

نفيت واستوطن الأغراب في بلدي، ودمّروا كلَّ أشيائي الحبيبات!

دمّروك! دنّسوا أرضكِ! بحجّة حربهم ضدّ الإرهاب! والله لو سألت الإرهابَ نفسه عنهم لمات خوفاً، لما استطاع أن ينطق بحرف!

جعلوا أصابعهم في آذانهم ورفضوا سماع مطالبنا مع بساطتها، قتلوا زهرة شبابِنا ودنّسوا سمعة رموزنا واشتروا ضعاف النّفوس منهم! وضعوا أرضنا على كفّ عفريتٍ يقلّبُها كيفما يشاء. يأخذنا بالقصف والرّصاص تارة، وبالحصار والتّجويع تارة، وبال (كيماوي) تارةً أخرى.

لقد جرَّبوا فينا كلّ ما كان في شغفهم الإجراميّ، ونفسهم الدّنيئةِ المدنّسةِ! صنعوا سجون الدّمار ومعتقلات القتل البطيء! نحتوا فيك لوحات التّباهي خاصّتهم، وشتّتوا شملنا، لكنّه فوقهم هناك، أعلى من رؤوسهم جميعاً.

“روحي فداؤكَ طال البعد يا وطني، كفى ضِراماً بنفسيَ المعذّبةِ

ما الاصطِبار! فراق الشام ألْهبني، أفديك، أفديك، هذا بعض أمنيتي

دمشق في القلب، قلبِي في هوى حلبٍ، دمي حماةُ ونَوحُ الجِسْرِ أُغنيتي

سوريّةُ اليومَ بركانٌ، سيولُ دمٍ، شامُ الرّسولِ منارٌ، نارُ ملحمتي

شام الرّسول منارٌ! نار ملحمتي”

 

تحرير: أحمد فاضل حللي

DET Platformأطلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *