طلاب الجامعة وحبة كراميل لا تفوت

1 تعليق

فادية شيراني

لعلكم شاهدتم او سمعتم عن فيلم عربي اسمه حبة كراميل، فيلم يحكي قصة امرأة ركبت دواء لابنتها الشابة لرفع مستوى ذكائها، وكان الدواء على شكل حبة كراميل تناولتها الفتاة فأصبحت تسمع كل كلام الناس من حولها، ليس ما يتحرك به لسانهم وحسب بل ما يحدثون به أنفسهم!

وهنا بدأت الكارثة، عندما أصبحت تعرف خبايا النفوس، وصارت تسمع كلمات الحسد والغيرة والكراهية والاستهزاء والسخرية التي تضج بها صدور من يبتسم في وجهها.

وصارت الأم تبحث عن حل يعيد الفتاة إلى ما كانت عليه، ولا بأس ببعض الغباء،
وما الضير في قليل من الغباء إن كان سيخفف علينا ألم الحقيقة؟ هل علينا أن نفتش في كل شيء؟ من فتش الألماس، ألم يجد أصله فحماً؟! من سافر إلى القمر، ألم يجده ترابا؟!

“الحمد لله أنني لا أملك هذه الفراسة” قالت نهى لنفسها بعد أن شاهدت الفيلم،
ثم ذهبت لتنام باكراً وتصحو باكراً لتذهب إلى الجامعة وتحضر الدروس، وربما تتناول القهوة مع صديقتها في الاستراحة، لديها صديقة مقربة واحدة وصديقة أخرى تنضم إليهما أحياناً.

هذا هو عالم نهى في الجامعة، مضى نصف السنة الثانية في الجامعة وهي لا تعرف أحداً، ولا تريد أن تعرف أحداً. حتى صديقاتها لم تخترهن بنفسها بل كان اجتماعهن محض صدفة، كنّ أول من دخل إلى دائرة صحبتها، وأغلقت الباب بشدة على من سيدخل بعدهن، واكتفت بهن، أو هكذا كانت تظن.

فهي لم تستطع أن تشاركهن أحلامها المجنونة، فقررت أنّ هذه الأحلام مستحيلة، ليس لها مكان سوى في خيالها الذي تسبح فيه كل يوم حتى الغرق.

وفي أشد لحظات تفاؤلها كانت تقول لنفسها: لا بد أنّ هناك من يفكر مثلي، لكن كيف سأعثر عليهم وكيف سيعثرون علي؟ هم موجودون بالتأكيد، لكن ليس هنا، ليس في جامعتي، وليس في هذه البلد كلها أيضاً، أشعر وكأنّ من أبحث عنهم يسكنون السماء، والأرض تشدني إليها بعيداً عنهم.

لقد أطلَقَت أحكاماً سلبية على عامة الناس على مبدأ “المكتوب مبين من عنوانه”! أحكامها المسبقة وضعتها في موضع لا يقل سلبية عن الصدمة التي عاشتها بطلة الفيلم التي تناولت حبة الكراميل.

كانت وحيدة جداً تعيش في عالمها الخاص المنفصم عن واقعها المحدود بتصوراتها وتحفظاتها. وكلما مرت الأيام في الجامعة يزداد شعورها بتحولها إلى دمية تستمع إلى الدرس وتحفظ وتقدم الامتحانات وتحصل على العلامات.
لكن القدر كان يخبئ لها حبة كراميل لا تُفوّت.

حبة كراميل لن تجعلها تسمع حديث النفوس إلهاماً كما في الفيلم، بل ستسمعه بأذنها وتراه بعينها المجردة، ستنطق به الأفواه وتتحرك به الجوارح.

بدأ مجرى حياتها بالانعطاف عندما لمست حاجة طلاب الدفعة الجديدة في القسم الذي تدرسه إلى مساعدتها، فبادرت إلى مساعدتهم، فتعرفت إليهم وإلى أصدقائهم، واتسعت دائرة معارفها شيئاً فشيئاً لتتعرف إلى هموم الكثير من الطلاب وغيرهم، سواء في حرم الجامعة، أو في محيطها، أو بعيداً عنها.

تسمع قصصهم وتقول: “أصلح الله حالهم”.  وماذا عساها أن تفعل غير ذلك؟
وهنا أفاقت الطفلة النائمة في نهى وسألتها:
ماذا كان هدفك من دخول الجامعة ومتابعة الدراسة؟ أليس التأهل لعمل شيء يفيد المجتمع؟
– بلى

-ألا ترين أنّ مجتمعك يحتاج إلى خدمات لا تحتمل الانتظار حتى موعد التخرج؟
-نعم هذا صحيح

-لماذا لا تؤدين واجبك إذاً؟

-كيف لي أن أفعل؟ أنا لا أستطيع

-“أنا لا أستطيع”! كلمة كسولة جبانة تتنكر بثوب التواضع. أتظنين أنّ هذا سيبرر تهربك من عظيم المسؤولية؟ إن كانت كل هذه الهموم لا تؤرقك فافعلي ما شئت.

لقد أرقت نهى ليلتها أرقاً شديداً بالفعل، وعندما طلع الصبح كانت قد أعدت خطتها ووجدت الحل في تنظيم عمل تطوعي فالتقت بأصدقائها ومن تعرفهم فرادى وجماعات وأخبرتهم بما قالته لها نهى الطفلة ليلة الأمس. وتباينت ردود الأفعال، وكانت أول صدمة لحبة الكراميل! وتلتها صدمات.

صدمها خذلان أشخاص طالما علقت عليهم آمالاً، وقصور أفعال أشخاص عن بلوغ نصف ما يقولون، وقصور عقول آخرين عن رؤية من لا يدور في فلكهم وكانت تراهم متواضعين.

صدمها ما كشفته من حيل أصدقاء كانت تظنهم أرفع أو على الأقل أذكى من فعل ذلك. صدمها رؤية أقوام يذكرون المرء بمقولة “اعمل خيراً وارمه في البحر”، وآخرون يقال فيهم: “اتق شر من أحسنت إليه”.

وآخرون يذكرونك بقول الله تعالى: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة) المنافقون -4.
ولكن في المقابل، عرفت أرواحا منحت روحها القوة باستمرار لتواجه تلك الصدمات، عرفت أناساً رأت فيهم جمال الحياة بطيبتهم وشجاعتهم وكرمهم وشهامتهم وتفانيهم ومروءتهم، وكانت من قبل تمر بهم مراراً ولا تلتفت إليهم على الإطلاق.
عرفت أناساً معرفة ندمت بعدها على السنين التي مضت دون أن تعرفهم،
أدهشها رؤية ما قد يختبئ وراء البسمات والضحكات وما قد تخفيه الدموع والتنهيدات.

فالمكتوب لا يظهر من عنوانه في كثير من الأحيان. كل هذا كان من مفعول حبة الكراميل في ثنايا العمل التطوعي الذي أسسته. وأكثر من ذلك، اكتشفت ذاتها هي.

وقفت على دقائق نفسها في أصعب المواقف وعرفت عيوبها ومواضع عجزها،
وتعلمت كيف تواجه هذه الحقائق التي تتكشف أمام عينيها يوماً بعد يوم. تعلمت أن تحب الناس بحسناتهم وسيئاتهم كلها -إلا الكذب ما وَجَدت لصاحبه حلاً ولا دواء.

وأخيراً وجدت حلقة الأصدقاء الذين يشاركونها أحلامها ويدعمونها مع أنهم لم يكونوا مثاليين -وليس من الحكمة البحث عن المثالية بيننا نحن البشر- إلا أنهم كانوا لها كنزاً لا يعوض بثمن. وانضمت إلى فريق تطوعي آخر أملاً في أن تكبر هذه الحلقة وتصبح أقوى وأكثر نفعاً وتأثيراً.

ربما من الجميل أن تغفل عن العيوب التي لا يخلو منها أحد والمشاكل التي لا تنقص من مجتمع -وما أكثرها في مجتمعاتنا- لكنّ الأجمل أن تراها عين اليقين وتبقى قوياً متماسكاً، وتداويها ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

بل ليست مسألة جميل وأجمل، هي مسألة موت وحياة، إن كنت غافلاً أو متغافلاً فأنت ميت، متى استيقظت وأبصرت وعملت حييت.

DET Platformطلاب الجامعة وحبة كراميل لا تفوت

1 تعليق

الانضمام إلى المحادثة
  • سلسبيل - 25 يوليو، 2019 رد

    كتبتِ فأبدعتِ، وماهذا بغريب عن فادية ❤️ متطوعتنا العظيمة 💪

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *