عوالم مجهولة

No comments

ميساء شهاب

عندما تغرب الشمس سيتسلل شعاع أخير إلى داخل غرفتها ليختبئ في خزانتها ويرتدي ثيابها واضعاً بين ثنايا الأنسجة روح النهار.

لم تعتد منى على ذاك الحمل الثقيل بعدُ، خاصة أنّ هناك من يساعدها في ترتيب المنزل والطبخ والغسيل لكن حدث أن تمت الموافقة على المنحة المقررة لسفر أختها وإكمال دراستها في الخارج.

لا شيء يمكن أن يصبح أثقل من الفراق رغم أنّ الإيمان بأنّ الحياة لا تقف على أحد ولا عند أحد كان من المبادئ الأساسية في حياة منى، لكن اليوم اختلف الأمر وبقيت وحيدة.

كان الأمر صادما، لكن لكلٍّ حياته ولكلّ منا طريقه الذي سيمشيه. لم تعرف منى حينها أنّ الحياة ستتغير ملامحها بوجهها ولم يعد بإمكانها مجاراة الأحداث بهذه السرعة اللامعتادة.

في ذاك اليوم ارتدت منى ثيابها وخرجت تبحث عن عمل والشعاع يرافقها أينما اتجهت.

شعرَت بأنّ هناك شيئا غير مألوف، السعادة والرضا تسكنان قلبها، وكأن شيئا يقول لها أجل أنت ستكونين بخير. كانت تمشي وكأنها المرة الأولى التي تدوس قدماها أرض مدينتها.

نظرَت للسماء كانت الغيوم تشكل لوحة عذبة من الرسوم الجميلة، ونسمة منعشة ترافقها، شعور بالسعادة غمرها وشيء ما جعلها تتجه إلى حديقة مدينتها.

في ذاك الوقت من النهار نادراً ما تجد أشخاصا هناك، كون الوقت وقت دوام ومدارس، اتجهَت الى الحديقة وجلست على مقعد قرب شجرة الصفصاف، شعاع الشمس مازال هناك في ثنايا أنسجة ثيابها يتلون بألوان قوس قزح ويتموج عبر أثير جسدها.

أخرجت من حقيبتها زجاجة ماء صغيرة، ارتشفت رشفتين ونظرت حولها، لم يكن هناك الكثير من الناس بالكاد ثلاثة أو أربعة أشخاص.

بعد دقائق دخل رجل يلبس بنطالا أبيضا وجاكيتا طويلا لونه أبيض أيضاً، نظرت إليه منى فشعرت برعشة ما تعبر جسدها.

تقدم الرجل باتجاهها وجلس على المقعد المقابل لها، ملامحه هادئة ويبعث على الهدوء والسكينة نظر باتجاهها وابتسم، كانت محرجة من نظرته وجلوسه مقابلها!

لم تعطي للأمر أهمية كبيرة، أخرجت من حقيبتها دفترا وقلما وبدأت تراجع مواعيد العمل، سمعت صوتا يقول لها لا داعي للبحث عن عمل فالحياة ليس فيها ما تستحقينه، نظرت باتجاه الصوت فإذا بالرجل ينظر إليها ويبتسم.

هناك عمل قد ترغبينه بشدة، قال لها.
من أنت وما أدراك أنني أبحث عن عمل؟ قالت له.
أعلم كل شيء عنك وليس صدفة قدومك الى هنا. نظرت إليه مستغربة تنتظر جوابا عن استفسار عينيها.
ستكونين معنا في مجموعتنا الصغيرة، ستكونين سعيدة جدا لأنّ قلة من يُختارون، فما رأيك؟

انتابها الفضول وسألته مجموعة ماذا! من أنتم؟

ابتسم قليلا ثم نهض ليجلس بقربها، ونظر الى عيناها مباشرة، عيناه صافيتان تماما، تشعرانها بالهدوء والاستسلام، لم تنطق بحرف، وضع يديه على يديها واختفا من تلك الحديقة إلى عوالم أخرى لا نعلمها.

DET Platformعوالم مجهولة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *