لِمَ لَم نُخلق خرافا!

No comments

دعاء يوسف داود سالم

“سبحان من أحل الحلال”، هذه العبارة لم تفارق لساني منذ لحظة مراقبة ذبح الأضحية (خروف العيد)، فلأول مرة أتابع ذبح الأضحية مباشرة وبكامل تفاصيلها من الألف إلى الياء.

وبعد كلمة “اللهم تقبّل” هاجت الأفكار في خاطري وتأثرت جداً بذبح ذاك الكبش الذي مكث يومين بجوارنا، قد يعتبرها البعض إفراطا في المشاعر، لكن هي حقيقة وفطرة النفس البشرية.

بعد ملاحقة طويلة للخروف -وحقاً أتعبهم قبل الإمساك به وتثبيته للقيام بذبحه- وبعد محاولات عدة منه للإفلات أسلم أمره للذبح وهو كالغريق المتعلق بقشة، يعلم أنه سيموت لكنه يحاول النجاة.

بعد سنّ السكين وتمريرها على رقبة الخروف ثبّت الجزار قرنيه للأسفل ليتحقق الموت. يا الله، كم كان صوت حشرجة الموت مُدميا، يعلم أنه يموت ولكنه متشبث بالحياة حتى الرمق الأخير.
يا ترى هل للحيوانات سكرات موت؟! أم أنها حشرجة الموت؟؟ هذا ما خطر في ذهني وأنا أراقب لحظاته الأخيرة.

في نهاية الأمر هو حيوان يأكل، يشرب، يتكاثر وينام، فلم التمسك بالحياة إذاً؟ لم لا يريد الموت؟ هل ليعود فقط للأكل والنوم؟ والعيش في منظومة يعيش عليها منذ بداية الخلق لم يحدث فيها أي تغيير؟

أم أنّ الحياة لها طعمٌ آخر بالنسبة له؟ أم أنّ الخوف من الموت حقيقة ليست مقتصرة على إنسان كان أم حيوانا؟

حينها استذكرتُ مواقف عدّة لمن كان يراهن على أننا نعيش لكي نسلّم للموت ويكثر من عبارات “آخرتنا حفرة متر بمتر” أو “كلنا ميتين”، “وما بقي من العمر أكثر من اللي راح”، من باب التثبيط لكل من يسعى لتحقيق أحلامه وطموحاته.

ألم يتمعنوا في مقولة “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا” كم تحمل من معانٍ مثيرة في التوازن الفكري والروحي والعقائدي، في علاقة الإنسان بالدنيا والآخرة؟
ألا يعلمون أنهم إن ماتوا ولم يحدثوا أي فرق في المجرة فهم كالخراف؟! ألا يعلمون أنّ الموت حق وأننا نعلم أننا ميتون! “ولكن ميت عن ميت بفرق”! ألم يتذوقوا حلاوة التأثير وإحداث الفرق؟ ألم يتساءلوا عن حقيقة وجودهم على هذه الأرض؟

فإذا كانت المعادلة كذلك، إذاً لم لم نخلق خرافاً؟ أو أي نوع من أنواع الحيوانات أيّاً كانت. ألم يعلموا أنّ الخالق ميّزنا عن سائر المخلوقات بهمتنا بطموحنا بأحلامنا وطاقاتنا؟
إذا كان بالفعل مصير الحياة فقط الموت، فلم خُلقنا مبدعين واختص الله المواهب لأكثرنا؟؟ لم خُلقنا بذاك الشغف الذي يقلق نومنا؟!
يردد أحدهم قوله تعالى “ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، هنا لا أختلف بالفعل معكم ولكن ما معنى العبادة؟ هل هي مقتصرة على الصلاة والصيام؟

فالله قد خلق الملائكة يسبحونه غدواً وعشياً بكرة وأصيلاً، إذاً فالله خلق الإنسان لغاية أخرى غير العبادة التي باتت لدى البعض أقرب إلى طقوس يؤديها دون تحقيق معناها، ألم يدخل في معنى العبادة السعي وإحداث الفرق وإعمار الارض؟

ألم يقل الله عز وجل في وصف من أعرض عن الحق وبات يعيش حياته في إشباع شهواته بأنهم “كالأنعام بل أضل سبيلا”، وهذا الوصف ينطبق على من بات في حياته بلا هدف وبدون تحقيق الغاية التي خُلق لأجلها وهي عبادة الله وعمارة الأرض.
نعلم جيداً أننا قد وجدنا وفق منظومة كونية مُحكمة الصُنع في كافة تفاصيلها، أما الغفلة الرهيبة التي يسبح في غمار بحارها الكثيرون، فهم يعيشون حرصا على ألا يموتوا. دون أي قضية أو هم أو وظيفة سامية، ثم رحلوا عن الأرض فتركوها أكثر خرابا مما أتوا إليها.

تبدو ثنائية الموت، بين حالة خروف لا محالة سيعود ترابا، وبين إنسان سيحاسب عن كل همسة وغمزة، وتشبثهما بالحياة حدّ “الموت”، تعطيني انطباعا عن ذاك الزواج الكاثوليكي بين الحياة والموت، فالحياة تتدفق دوما من رحم أخرى آيلة للغروب، فالمهم أن نجعل لحياتنا معنى ما دمنا نمتلكها.

DET Platformلِمَ لَم نُخلق خرافا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *