وحدك تعلم

No comments

يمان زباد

على شُرَفِ أحدِ البيوت الدمشقية يَقِفُ عمر متجهزاً لجامعته، حابساً لِصرخاتِ حريته التي قد تُكلّفهُ حياته أو مستقبله، ولكن بالنسبة له لم يعد الأمر قابلا للنقاش.

فعندما يتعلق الأمر بالظلم، بالدم، بدموع الأمهات، بحمزة الخطيب الذي كان مهولا قتله، ليس لأنه الأول وهو حتماً لن يكن الأخير، عندما يتعلق الأمر بمشاهد كهذه يصبح حسم الموقف أمرا أخلاقيا صميما.

في صراع حريته كانت أسئلته تتفتح، لماذا لا يستجيب الله لصرخاتهم؟ لماذا يترُك مساجِده تُقصف؟ والمؤمنون يقتلون ويعذبون والحرمات تُنتَهك؟

فمضى في صراعه باحثاً عن الأجوبة التي اختلطت مع أصوات الثوار في المسجد الأموي التي شابهت همهات حمائِمه يومها لتقول أنّ المدينة حَية بأبنائها، منتقلاً إلى تشييع المزة حيث زَفّت دمشق شهداءها، وكانت الملائكة ترمي الشهداء بالثلج والنساء يرمينهن بالأرز فيختلط الثلج والأرز وينزل سلاماً وبركةً على الشهداء والمشيعين، ولعنة مرسلة إلى قاتليهم.

ولكن فقد عمر صديقه محمد، صديق الثورة والطرقات، حيث اعتقل في مهمة لنقل المواد الطبية واختفت أخباره.

في الساحات كان صوت رجال الشام يزفون العريس إلى مثواه الأخير بصيحاتهم. هكذا هم منذ أن خُلِقوا مَجبولون على الحب ويعبرون عن شِدَّته بمزجه بكلمات الموت، فإن أحبوك عشقوك وطلبوا منك أن تُكفّنَهم وتقْبُرهم ثم تشكل آسهم.

بعد عقود من فقدان الشخصية وانعدام المعالم وخرس الألوان وانطماسها كلها في لون رمادي باهت أدخلها ظلمةً أضاعت فيها هويتها، بدأت المدن تتعرف على نفسها في هذه الثورة من جديد وتحاول غسل وجهها من الصباغ الذي صبغه بها سجانها.

فكانت (درعا) مُشعِلة الكرامة، مرورا بعاصمة الثورة والقلب (حمص) إلى لافتات (عامودا وكفرنبل) إلى تشييعات (دوما) المهيبة وسلميّة ووَرد (داريا)، وأفواج ساحة العاصي وحشود دير الزور إلى ساحات ادلب وصرخات حلب وتضحيات الساحل، وتختصرهم جميعا مسائيات كفرسوسة والميدان بتنوعها وحماسها.

الحرية لا تجزأ فقد تكون على طاغيةٍ أو ظالم، أو على القلب والعقل ربما. فكانت علا تَنبُت بين حروف الحرية في عيون عمر وصرخاته ومطالبه على الرغم من أنه سُجِن بها، ولكن أحيانا يكون الاقتراب من سجانك ومعذّبك فيه نوع من الأمان، لأنك بالبقاء قُربه تستشعر فيه بما تبقى من إنسانيتك، وتبنيه في مخيلتك وتتصور ما يُحَضّر لك من عذاب وأنّ أكثر ما تخافه هو أن يُمسك بك سجانك، وقد حدث ذلك لعمر فلم يبقى ما يخافه الآن.

كان قدومها عليه في كل مرة كقدوم الربيع أو كمظاهرة مهما تُكَرّرُها تَظل في كلّ مرةٍ تشعر بنفسك تَكسِر القيد من جديد، كما في كل مرة يرى وجهها يتذكر بصوتها نفس لحن وعذوبة الهتاف الأول، حرية، فلا تعنيه كلماتها مهما اشتدت أو ارتخت، فأصلاً كان مأسورا بالبسمة والغمّازات على طرفيها .

فالحب يُعمي ويُصِم،ّ ويجعل منك في يوم رجلاً خارقاً قادراً على التكيّف مع كلّ شيء وفي آخر طفلاً ضعيفاً عاجزاً لا يمكنه تحمل أيّ شيء، و لذلك اختفت علا وبقي الثائر الطبيب عمر مُختنقاً بأسئلته الوجودية عن الله والخلق التي بنت جداراً بينه وبين علا.

فكان بُعدُه عنها ينطلق بصرخاته في المظاهرات وكأنه يحادث السفاح، كأنه ينظر في عينيه، وكانت دقائقها الخمس تقول للطغاة: “نحن هنا، ألمنا لن يسكت، وعيدنا يوم رحيلك”.

خرج منتشيا بكلماته التي حفظتها جدران المدينة ليُلاحَق من قِبَلِ عيون الأمن ومخبري السفاح، يَهرُبُ من بين أيديهم ونظرات عيونهم بضعفه وبقدرة خفية ليركض إلى منزل جده فيُمسك القلم ويضع رأسه على دفتر مذكرات جده المتوفى ويكتب: “أرهقت السنون أشرعتي ومعرفتي لك محدودة جداً، ولعلها اليوم في أجمل صورها، وقد اشتقت إليك، فعرِّفني عليك وعجل باللقاء يا الله، فوحدك تعلم، وحدك تعلم”.

كثيرٌ من الخارجين من سجون المجرم يخرجون وقد مات شيء في عيونهم وقد غادرت الحياةُ وجوههم، ويعانون شهوراً من أمراضٍ نفسية وجسدية تتراوح بين الانعزال والاكتئاب ولكنّ بريق عيون محمد لم يتغيّر.

رأى عمر فيهم روح الثورة وأنّ العدو ينتصر عندما يحوّل بطشه وجبروته على المعتقل إلى مظلومية تملأ الحياة، وعزلة تميت القلب بعد خروجه، فكان المعتقل عند محمد بعد خروجه تجربة حياة زادته تعلقاً بدمشق، حيث دمشق ما فتئت تقصقص أجنحة عشاقها وتأسر أفئدتهم بطريقةٍ تسلبهم مُتعة العيش في أيّ مكان آخر.

رامياً بقطعة حلوى لكل طالب ومنادياً بالأسماء فرداً فرداً، يقول الطبيب الشاب المحاضر أمام طلابه: “كل عام وأنتم بخير – اليوم ذكرى الثورة السورية”. إنه عمر في عام 2034 ويتابع:
” في ذكرى الثورة السورية، فقط أريد أن أذكركم بشباب كانوا في عمركم، تركوا أحلامهم ليرسموا أحلامكم ومستقبلكم، نحن هنا اليوم بفضلهم، ولازال طيف وجوه أصدقائي يقف معي ليذكرني بثمن الحرية الباهظ”.

كان خيالُ علا يَقِفُ في زاويةِ الذاكرة ولكنه كان كصور الجلاد وصور أبوه قد رحلوا وبقيت لذةُ الانتصار عليهم، ويستثنى من ذلك سِرُّ الجمال المُختَبِئ في بسمةِ عُلا.

وحدك تعلم، الصرخة الأولى والحمائم التي أقلعت من صدرك حينها.

وحدك تعلم، قطرات الدماء التي زُرِعت في كفك عندما انتشلت جسد صديقك الشهيد الذي نمت دماؤه فيما بعد لتُعيذَك من مهادَنةِ أو مصافحة أيِّ ظالمٍ أو الركون إليه.

وحدك تعلم، أنّ الثورة لا تموت إلا حين تموت وتنطفِئ في عيون أبنائها وقلوبهم.

 

تحرير: أحمد فاضل حللي

DET Platformوحدك تعلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *