قصتي مع متلازمة توريت – الجزء الأول

1 تعليق

عبد الرحمن سليم

بدأت قصتي في الصف الثاني الابتدائي، يوم كنت في السابعة من عمري.

في ذلك الوقت كنت كباقي الاطفال في المدرسة، لا أختلف عنهم أبداً، بل وكنت متفوقاً في دراستي.

ذات صباح استيقظت وحركة تنتابني لا أستطيع السيطرة عليها، كانت أكتافي تتحرك حركة لا إرادية، في تلك اللحظة بدأت المعاناة.

معاناة في المجتمع وفي المدرسة وفي الطريق وحتى في العائلة، باختصار في كل جوانب حياتي.

في الصف انتبهت المعلمة للحركة التي تصدر عني، وطلبت مني أن أكفّ عن ذلك! أما أنا فكنت فاقد السيطرة تماماً على تلك الحركة.

في البيت أيضاً فقد لاحظ أبي وأمي أني اقوم بتحريك أكتافي، وأمروني فوراً بالتوقف عن ذلك، بذلت كل جهدي محاولاً إيقاف الحركة ولكنني كنت عاجزاً تماماً، فبدأ الأهل بتوبيخي ظناً منهم أنني أقوم بهذه الحركة تقليداً لشيء أعجبني.

لم يكن في تلك الفترة الوعي كافٍ، ولم يكن الحصول على المعلومة سهلا كما هو الحال في زماننا، لذا كان من الصعب إقناع من حولي أنّ هذه الحركات هي بداية مرض اسمه متلازمة توريت.

شعرت بالخوف والحزن في آن واحد، الخوف من هذه الحركات والحزن من نظرة الناس.

فشلت كل محاولاتي، وضاقت بي الأرض، خاصة بعد أن ازدادت وتيرة الحركات وقوتها.

وبعد مدة من الزمن ذهبت مع أسرتي إلى الطبيب الذي لم يكن لديه أيّ تفسير حول ما يجري معي سوى أنه قال: لعلها نتيجة علاج تناولته سابقاً! بالطبع لم يكن جواب الطبيب جوابا شافيا على الإطلاق.

ومع مرور الأيام خفّت حركات أكتافي، ولكنها انتقلت إلى رقبتي وأصبحت أحرك رقبتي وأكتافي معاً.

لاحظ الأصدقاء في المدرسة تلك الحركات، وصاروا ينظرون إليّ باستغراب!

ويوماً بعد يوم سرت الحركة في الكثير من أعضاء جسمي، في أكتافي ورقبتي ويدي وساقي، كان الألم يزداد بعدد الثواني.

وقد أثّر هذا الوضع الصحي على وضعي التعليمي، فتراجع انتباهي، وتدنى مستواي الدراسي.

كان كلام الناس من حولي يزعجني جداً، كنت ألازم البيت حتى لا أسمع كلاماً جارحاً وقاسياً، وهكذا مضت سنوات وأنا أعيش حالة من الخوف والاكتئاب في مجتمع لا يرحم.

وأصبحت ردة فعلي تظهر على شكل أفكار إجرامية بكل ما تعنيه الكلمة، لقد شكل الكلام الموجه إليّ شحنة سلبية جعلتني أشعر وكأنني أعيش في الجحيم.

مرت سنين وأنا على هذه الحالة، فأثر ذلك على قوتي الجسمية، فصار جسمي ضعيفاً ولا يقارن بقوة الأشخاص الذين هم بعمري، وكان ذلك مظهرا إضافياً استغله المجتمع كي يكيل لي المزيد من الضغط.

ليس كل المجرمين يولدون بفكر إجرامي، فهناك مجرمون يصنعهم المجتمع، ليس بأدوات مثل شرب الخمر أو التدخين أو السرقة أو تعاطي المخدرات، إنما يصنعهم بالسخرية وبالتقليل من قيمة الشخص وممارسة العنصرية تجاهه، إذا كان مختلفاً عنه بلون أو عرق أو حتى مرض.

DET Platformقصتي مع متلازمة توريت – الجزء الأول
قراءة المزيد

وحدك تعلم

No comments

يمان زباد

على شُرَفِ أحدِ البيوت الدمشقية يَقِفُ عمر متجهزاً لجامعته، حابساً لِصرخاتِ حريته التي قد تُكلّفهُ حياته أو مستقبله، ولكن بالنسبة له لم يعد الأمر قابلا للنقاش.

فعندما يتعلق الأمر بالظلم، بالدم، بدموع الأمهات، بحمزة الخطيب الذي كان مهولا قتله، ليس لأنه الأول وهو حتماً لن يكن الأخير، عندما يتعلق الأمر بمشاهد كهذه يصبح حسم الموقف أمرا أخلاقيا صميما.

في صراع حريته كانت أسئلته تتفتح، لماذا لا يستجيب الله لصرخاتهم؟ لماذا يترُك مساجِده تُقصف؟ والمؤمنون يقتلون ويعذبون والحرمات تُنتَهك؟

فمضى في صراعه باحثاً عن الأجوبة التي اختلطت مع أصوات الثوار في المسجد الأموي التي شابهت همهات حمائِمه يومها لتقول أنّ المدينة حَية بأبنائها، منتقلاً إلى تشييع المزة حيث زَفّت دمشق شهداءها، وكانت الملائكة ترمي الشهداء بالثلج والنساء يرمينهن بالأرز فيختلط الثلج والأرز وينزل سلاماً وبركةً على الشهداء والمشيعين، ولعنة مرسلة إلى قاتليهم.

ولكن فقد عمر صديقه محمد، صديق الثورة والطرقات، حيث اعتقل في مهمة لنقل المواد الطبية واختفت أخباره.

في الساحات كان صوت رجال الشام يزفون العريس إلى مثواه الأخير بصيحاتهم. هكذا هم منذ أن خُلِقوا مَجبولون على الحب ويعبرون عن شِدَّته بمزجه بكلمات الموت، فإن أحبوك عشقوك وطلبوا منك أن تُكفّنَهم وتقْبُرهم ثم تشكل آسهم.

بعد عقود من فقدان الشخصية وانعدام المعالم وخرس الألوان وانطماسها كلها في لون رمادي باهت أدخلها ظلمةً أضاعت فيها هويتها، بدأت المدن تتعرف على نفسها في هذه الثورة من جديد وتحاول غسل وجهها من الصباغ الذي صبغه بها سجانها.

فكانت (درعا) مُشعِلة الكرامة، مرورا بعاصمة الثورة والقلب (حمص) إلى لافتات (عامودا وكفرنبل) إلى تشييعات (دوما) المهيبة وسلميّة ووَرد (داريا)، وأفواج ساحة العاصي وحشود دير الزور إلى ساحات ادلب وصرخات حلب وتضحيات الساحل، وتختصرهم جميعا مسائيات كفرسوسة والميدان بتنوعها وحماسها.

الحرية لا تجزأ فقد تكون على طاغيةٍ أو ظالم، أو على القلب والعقل ربما. فكانت علا تَنبُت بين حروف الحرية في عيون عمر وصرخاته ومطالبه على الرغم من أنه سُجِن بها، ولكن أحيانا يكون الاقتراب من سجانك ومعذّبك فيه نوع من الأمان، لأنك بالبقاء قُربه تستشعر فيه بما تبقى من إنسانيتك، وتبنيه في مخيلتك وتتصور ما يُحَضّر لك من عذاب وأنّ أكثر ما تخافه هو أن يُمسك بك سجانك، وقد حدث ذلك لعمر فلم يبقى ما يخافه الآن.

كان قدومها عليه في كل مرة كقدوم الربيع أو كمظاهرة مهما تُكَرّرُها تَظل في كلّ مرةٍ تشعر بنفسك تَكسِر القيد من جديد، كما في كل مرة يرى وجهها يتذكر بصوتها نفس لحن وعذوبة الهتاف الأول، حرية، فلا تعنيه كلماتها مهما اشتدت أو ارتخت، فأصلاً كان مأسورا بالبسمة والغمّازات على طرفيها .

فالحب يُعمي ويُصِم،ّ ويجعل منك في يوم رجلاً خارقاً قادراً على التكيّف مع كلّ شيء وفي آخر طفلاً ضعيفاً عاجزاً لا يمكنه تحمل أيّ شيء، و لذلك اختفت علا وبقي الثائر الطبيب عمر مُختنقاً بأسئلته الوجودية عن الله والخلق التي بنت جداراً بينه وبين علا.

فكان بُعدُه عنها ينطلق بصرخاته في المظاهرات وكأنه يحادث السفاح، كأنه ينظر في عينيه، وكانت دقائقها الخمس تقول للطغاة: “نحن هنا، ألمنا لن يسكت، وعيدنا يوم رحيلك”.

خرج منتشيا بكلماته التي حفظتها جدران المدينة ليُلاحَق من قِبَلِ عيون الأمن ومخبري السفاح، يَهرُبُ من بين أيديهم ونظرات عيونهم بضعفه وبقدرة خفية ليركض إلى منزل جده فيُمسك القلم ويضع رأسه على دفتر مذكرات جده المتوفى ويكتب: “أرهقت السنون أشرعتي ومعرفتي لك محدودة جداً، ولعلها اليوم في أجمل صورها، وقد اشتقت إليك، فعرِّفني عليك وعجل باللقاء يا الله، فوحدك تعلم، وحدك تعلم”.

كثيرٌ من الخارجين من سجون المجرم يخرجون وقد مات شيء في عيونهم وقد غادرت الحياةُ وجوههم، ويعانون شهوراً من أمراضٍ نفسية وجسدية تتراوح بين الانعزال والاكتئاب ولكنّ بريق عيون محمد لم يتغيّر.

رأى عمر فيهم روح الثورة وأنّ العدو ينتصر عندما يحوّل بطشه وجبروته على المعتقل إلى مظلومية تملأ الحياة، وعزلة تميت القلب بعد خروجه، فكان المعتقل عند محمد بعد خروجه تجربة حياة زادته تعلقاً بدمشق، حيث دمشق ما فتئت تقصقص أجنحة عشاقها وتأسر أفئدتهم بطريقةٍ تسلبهم مُتعة العيش في أيّ مكان آخر.

رامياً بقطعة حلوى لكل طالب ومنادياً بالأسماء فرداً فرداً، يقول الطبيب الشاب المحاضر أمام طلابه: “كل عام وأنتم بخير – اليوم ذكرى الثورة السورية”. إنه عمر في عام 2034 ويتابع:
” في ذكرى الثورة السورية، فقط أريد أن أذكركم بشباب كانوا في عمركم، تركوا أحلامهم ليرسموا أحلامكم ومستقبلكم، نحن هنا اليوم بفضلهم، ولازال طيف وجوه أصدقائي يقف معي ليذكرني بثمن الحرية الباهظ”.

كان خيالُ علا يَقِفُ في زاويةِ الذاكرة ولكنه كان كصور الجلاد وصور أبوه قد رحلوا وبقيت لذةُ الانتصار عليهم، ويستثنى من ذلك سِرُّ الجمال المُختَبِئ في بسمةِ عُلا.

وحدك تعلم، الصرخة الأولى والحمائم التي أقلعت من صدرك حينها.

وحدك تعلم، قطرات الدماء التي زُرِعت في كفك عندما انتشلت جسد صديقك الشهيد الذي نمت دماؤه فيما بعد لتُعيذَك من مهادَنةِ أو مصافحة أيِّ ظالمٍ أو الركون إليه.

وحدك تعلم، أنّ الثورة لا تموت إلا حين تموت وتنطفِئ في عيون أبنائها وقلوبهم.

 

تحرير: أحمد فاضل حللي

DET Platformوحدك تعلم
قراءة المزيد

لا أعلم هويتي

No comments

رفاه أحمد غصن

“لا أعلم هويتي” للكاتب: حسام الدين حامد.

كلنا بشر وكلنا نخطئ، وجل وعلا من لا يخطئ وحاشاه من ذلك.

لمّا كان الخطأ صفة عابرة لدى كل البشر تعتري معظمهم كان من هذه الأخطاء ما لا يُغتفَر ولا ينسى!!

قد يكون الخطأ بحق أُناس فنسعى ونسعى لتصحيحه. فكيف إن كان الخطأ بحق خالق السماوات والأرض، خالق الشمس والقمر، هادي البشر وصانع الحجر، سبحانه وتعالى.

لطالما فكّر الكثير منّا عن اللقاء مع ربنا العظيم كيف سيكون؟ وماذا سوف نقول ونحن نقف بين يديه جل وعلا؟

ولكن هل فكّر أحدنا كيف سيكون موقف من رحل عن هذه الدنيا ولم يتعرف إلى خالقه بعد؟! من لم يعي من يكون ربه؟ من لم يدرك رحمته وعظيم شأنه؟! من لم يلتمس كرمه وعطاءه؟! خسارةَ من لم يفكر في هذه اللحظة! وخسارة من لم يمد يد العون لأخيه ليضعه على طريق الحق والنور، ذلك الصراط المستقيم.

قد وضع الكاتب “حسام الدين حامد” بين أيدينا منهاجاً للدعوة إلى الحق ومعرفة الله عز وجل.

دار كتابه “لا أعلم هويتي” حول مناقشة دارت بين (مسلم ومُلحد) للدعوة إلى الإسلام وإدراك حقيقة الكون وخالقه.

كما أجاب على العديد من التساؤلات التي تدور في أذهان البشر حول قضايا متعددة تدل على قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه وإبداعه للأمور وإتقانه المُحكم جل شأنه.

كما تحدث عن الرسل الكرام عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم وصدق رسالتهم التي جاءت نوراً وحقاً للبشرية.

كان هذا الكتاب بمثابة مقدمة عن دين الإسلام وسراجاً منيراً للثبات على الصراط المستقيم.

عسى أن يجد كل ضائع هدايته قبل فوات الأوان.

DET Platformلا أعلم هويتي
قراءة المزيد

لمار

No comments

عبد الناصر القادري

تبدأ الرواية في مكان موحش للغاية، ربما الأكثر وحشة وخوفا، فرع المخابرات الجوية في الجمهورية العربية السورية، الفرع الأكثر دمويةً في عقول السوريين وإن كان جميعها دمويا، بل تبدأ الرواية برعبنا.

تذكرنا بمعتقلينا، على المستوى الشخصي، إخوتي وأبي وأمي، أبناء عمي وأخوالي وأصدقاء كثر، أبناء مدينتي وأشخاص لا نعرفهم ولكن سمعنا عنهم، لم أجرب إلا ساعات اعتقال قليلة لم تتجاوز ال ٢٤ ساعة وفي كل مرة كنت أنجو، لا أدري السبب ولماذا؟

ربما كانت الأسماء المستعارة لا تعجبني في الرواية، خيالاتهم الحقيقية ترافقني بأسماء إجرامية شديدة الوضوح، تل خروبهم وخرابنا، سليمان وعلي وصخر ولمار وزياد، أسينة وغيث والجنرال ومجيب، كل واحد منهم حمل بشاعته أمام وجهي. رغم معرفتي بأغلب ما دار في الرواية من خطوط عامة ربما يعرفها كل سوري حر، بحثَ عن الحقيقة في وجوه المعتقلين قبل الثورة أو الشهداء والمعتقلين والجرحى وأمهاتهم بعد الثورة.

لمار هي الشخصية الحقيقية لكل فرد من هذه العائلة وربما الطائفة حتى، لمار هي الوجه الحقيقي لعشرات السنوات من الحقد الأسود في قلوب ليست بقلوب.

لمار لم تكن استثناءً، بل مرآة كبيرة لهم، وإن كانت تلعب شخصيتها في الواقع الأم التي اتخذ لها صخر معبدا في مدخل البلدة العرين والميؤوس منها، القرداحة طبعاً.

لمار عدوة شخصية لكل إنسان فينا، لمار هي الحقد الأسود الذي زرع في سياج البلد، في بردى، في دمشق القديمة، الساحرة الشريرة التي تريد أن تغرق العالم بألاعيبها ونفسها المريضة، هي تماما كذلك.

أحسست بأن الرواية مقلة جداً، في القصص التي تشيبنا ويمكن ذكرها دون ملل لأهميتها في تأريخ روائي لأكثر من ٧٠ سنة.

الرواية منسوجة بأسلوب جميل وممتع وقاس أحياناً ولكنها محاولة جديدة في وصف ماضٍ مرعب وواقع أشد إيلاماً ورعبا، وإن أعتب على الكاتبة بأنها لم تعطي للثورة حقها في نفوس عائلة لمار المدمرة، الرعب من انطلاق الثورة، زياد الذي لا يدري ما يفعل بداية الأمر كل ذلك يستحق.

فالثورة كما أنها نشلتنا من الموت السريري أحيتنا كذلك، وفي المقابل حكمت عليهم بالموت، وضعتهم في اللاخيار، في مكان بين الجحيم والسعير، أخذ السلطة من النفوس المريضة هكذا، فهم ليسوا جائعي سلطة فحسب، بل جوعى، كالبهائم كل شيء مباح، بل أضل سبيلا.

لعل أكثر ما يعلق في ذهنك بعد الحقد الذي يملكونه علينا هو الانتهازية ضد بعضهم البعض، ولو ملكوا أنفاسنا بقي شهداؤنا رعب أحلامهم المستمر وأنينُ الثكالى عذابهم.

والتاريخ يكتب، وأقلامنا صلبة جداً..

DET Platformلمار
قراءة المزيد

وتنحى جبروت الواقع

1 تعليق

أبي تللو

مذ رحل فؤادي من آهات أنينٍ سعيدٍ في غوطتي إلى آهات الأسى في غربتي، حين تنشّقت عبق ياسمينها المخضّب بدماء الشهداء للمرّة الأخيرة فاختلطت رائحة الياسمين بالمسك عبيراً لا ينسى.

وفي مشهدٍ لوداع البلاد دون أخذ ميعاد، فالحال تدهور سريعاً وحتّم علينا الفراق، في ذلك المشهد أبٌ يودّع وأم تبكي والأرض تنزف على فراق من داس أرضها بحريّة. ظنّت شام أنّ الأمر قد انتهى وأسدل السّتار وانتهت المسرحيّة وكلّ شيءٍ عاد كما كان قبل سبع سنين.

تنظر إلى عيني شام التي تلألأت بالدّموع لتعكس حال أبنائها اللذين بقوا على أرضها وما أصابهم من ذلٍّ وظلمٍ، وتنظر تارةً أخرى لتعكس مشاهد أبنائها المهجّرين ممن تركوها خوفاً على دينهم وأنفسهم.

همدت فجأة وشعرت بالانهيار وأغمضت عينيها استسلاماً للواقع المرير لتهوي الدّمعات من عينيها، وفجأةً عكست القطرات الأخيرة المتساقطة صورةً لأبنائها، اللذين لم يمض على فراقهم لها مجتمعين في أولّ مشروع جامع على استكمال سنة الدراسة التي هُضِمَت خلال الحملة الهمجيّة على أرضها ليحملوا مشاعل العودة من جديد.
لم تكن تلك اللقطة الأخيرة بل كانت الأبرز على همّة شعبٍ آمن بقضيّته وسعى لإيجاد بصيص ضياءٍ يتعلّق به للوصول إلى درب النّور.

مشهدٌ لأبناء شامٍ في دار الهجرة، في عيدهم الأوّل قد وضعوا بهارج العيد، في معركةٍ مع الواقع، ليرفعوا شهادات النّجاح كدليلٍ على أوّل نصرٍ في واقعٍ مرّ. سوف يلحقه النّصر الأكبر، عساه في واقعٍ أبهرٍ وكادر أجدر وهمة أكبر بعد العمل على أسباب التمكين متوكلين على العليّ القدير.
ووقف الواقع بجبروته إجلالا لهمم أعجزته عن إخمادها.

DET Platformوتنحى جبروت الواقع
قراءة المزيد

إليك أيتها الأم المسلمة

No comments

آلاء النجار

دور الأم المسلمة في تنشئة الأبناء، تسقي كل زرع فهي المدرسة الأولى التي يتربى في حضنها رجال ونساء المستقبل.

مشروعكِ كمُربية:
من أهم القضايا التى ينبني عليها صحة استقامة الأبناء هي الطاعة والعبادة، وهي قضية لا ينبغي أن تهمل، فالأم لها دور مهم جداً فى غرس حب الطاعة وحب العبادة في نفوس الجيل الذي تربيه. حتى يَخرُج في الأمة الجيلُ الذي يصبر أمام الفتن والمحن.
ما هو دورك الحقيقي تجاه أمتك؟ أن تبني في أبناءك نفسية (أنا لأمتي وأمتي لي). من المهم ألا تموت هذه القضايا فى نفوس أبنائنا وهذا يستلزم من الأم تعريفهم قضايا أمتهم، وأسباب ضياعها، وكيف نعمل في اتجاه عودتها؟
علميهم أيتها الأم العمل للدين حتى آخر الأنفاس وأنّ قضية العمل للدين قضية حياة، اغرسي في نفوسهم أن لكل شيء ثمنا.
والأمة ضعيفة اليوم، فما الذي سنقدمه نحن لتعود أمتنا وتنتصر؟ فهذا من شأنه أن يولد عندهم المسؤولية تجاه قضايا الأمة وعدم الغفلة عنها. فعلى قدر ما تعتني فى تكوين النظرة السليمة لدى الأجيال يكون مقدار نجاحك فى أداء الأمانة وتبليغ الرسالة.

ولا تنسي عزيزتي الغالية: التوجيه ودوره المؤثر في حياة أبناءك، فالتوجيه بمثابة البوصلة نحو الهدف.
كيف نصل إلى التقييم الصحيح لأبنائنا ومدى قياس استجابتهم لمثل هذه القضايا؟ من خلال عدة محاور:
1. محور المفاهيم والأفكار: قياس مستوى الفهم والاستيعاب واقعياً وبدقه، من خلال الحوار المتبادل والنقاش المفتوح بين الأبناء.
2. ملاحظة تساؤلاته وإجاباته وتعليقاته على المواقف والأحداث.
3. محور الالتزام السلوكي ومصاحبته في أداء هذه الأعمال ومشاركته فى تنفيذها وملاحظة مستوى أدائه.

فالصباح لا يتغير إلا بكِ، وكل يوم يأتي بشكل أجمل بقدر ما تحملينه من مسؤولية. ينبغي ألا تنسي أن مهمة التربية من أعظم المهام وأدقها، لأن مصير الأجيال يكون بين يديكِ، فالمستقبل ينتظر غرسكِ اليوم، ولا تَرضي بالقليل، فأمتنا مَكلومة وجُرحها غائر.
ولا تكوني ممن فقد السيطرة على نفسه في دوامة الحياة وأنتِ تملكين ولو فكرة تحرريهم بها من أسر الدنيا، فالحياة ليست دار انتظار.
العمر لن يقف فإياكِ أن تقفي، وحين تضيق بكِ الدنيا ويشتد عليكِ الظلام تذكري ربك فوقك، وتذكري دائماً أن الله لقلبك، الله لأوجاعك، الله طبيبكِ وحبيبكِ ورفيقكِ الدائِم، وما سِواه عدم.

لم يكن حلمك ورسالتك أكبرمنكِ ولكن في هذه الحياة نحن مجبرون على تحمّل ضريبة الأحلام والقضايا الكبيرة.
مهما طال بنا الطريق وتفرقت بنا السُبل، المهم أن تخطي خطوة نحو حلمكِ وقضيتكِ واسألي نفسكِ دوماً: ما الذي يدور في رأسي؟ ما أكثر الأمور التي أفكر بها وأهتم لأجلها؟ ما الذي نرجوه عند الله مما نهتم ونعمل من أجله في هذه الدنيا؟ هل يستوقفك هذا السؤال؟ أم أننا نحيا حياة غير الحياة؟
ولكن من المؤسف في عصرنا الحاضر ومما تنفطر منه القلوب هو الزيف والتصنع وعدم تحمّل المسؤولية الفطرية.
عدم الانشغال بالقضايا الكبرى، والانغماس في زيف الحياة الوهمية وبعدك عن الطريق، الذي نتج عنه عدم فهم حقيقة الطريق الذي عجز عن إدراكه كثير من أبناء الإسلام اليوم، فضرب عليهم التيه فى الأرض عقوداً لم تنتهي بعد.
فمن يجتهد أن يكون له منهج واضح له ولأبنائه سيصير الانضباط عادته وطبعه، خير ممن يخبط على غير هدى.

هكذا هي المسلمة كالنحلة مجتهدة تسقي كل زرع فتكون نعم المرأة، تحترم فطرتها وتؤدي واجباتها ولا تخشى في الله لومة لائم.
لديها قدرة على التوازن بين ترتيب أولوياتها ودوائر حقوقها، فلنعد المسلمة السوية التي تقف صامدة أمام الفتن والمحن كي تعد للسؤال أمام الله جواباً مقنعاً.

DET Platformإليك أيتها الأم المسلمة
قراءة المزيد