بإيجابية – ماذا جنت الثورة السورية؟

No comments

أبَي تللو

أمّة، من شبه أمية إلى النخبوية

يوم اتّقدت نيران الثورة السورية، لم تكن مجرد صيحات أو هتافات أسمعت صداها جنبات العالم الأصم.

ولم تكن مجرد بندقية حرٍّ أبى الهوان لأبناء أمته، ولم تكن مجرد صواريخ انهالت على رؤوس الأبرياء.

ولم تكن مجرد غازات كيميائية سامة أفرغها أصحاب الدماء الفاسدة على أبناء شعب أَبيٍّ مظلوم.

ولم تكن مجرد خلافات واقتتالات بين أبناء الثورة على الثورة أو على بعض سوءٍ ألمّ بهم!

ولم تكن مجرد سقوط لثلثي ما جنته الثورة بعد معارك التحرير والخروج في باصات التهجير.

لم تكن مجرد آلام للمهجرين في مخيمات العار على الجبين الإنساني أو اضطهادات وتمييز بحق اللاجئين.

ولم، ولم، ولم..

لم تكن سوى بركان يغلي ويجلجل من عشرات السنين ينظر إيذاناً له بالتفجّر، وقد أوذن له.

ليُخرج من باطنه أنفس المعادن والكنوز، مع بعض أذى قد يصيب به من حوله، ولا بدّ منه.

ولكن ما عليك سوى الانتظار برهة، برهة تكفي لتبريد الحمم المكنوزة داخل ذلك البركان، لتقوم بجمعها أنفس المعادن وأغلاها.

وفقط انتظر..

سترى من تلك النفائس نماذج من إبداعات شعب كُبِتَت طاقاته.

سترى ذلك الإنسان الذي كانت أسمى أمنياته التي لطالما اتفق على تحديد سقفها مع الخراف! تتحول إلى صرح يبهرك جلاله وعلاه.

سترى ذلك العجوز الخمسيني الذي كان ينبغي على روتين حياته المتبقية أن يمضيه متقاعداً يسلِّي نفسه بملاعبة أحفاده! إلى طالبٍ يزاحم الشباب اليافع على مقاعد الدراسة ليلحق ما فاته في سنيٍّ مضت!

نعم سترى ظاهرة الشيخوخة تلاحق طلاب المدارس والجامعات!

عداك عن انهماكِ جيل الثورة الصاعد عن الترهات إلى تحصيل الشهادات والخبرات.

وسترى الجامعات المستحدثة في البقاع المحررة تتنافس لتحصيل الاعتراف الدولي بها.

وسترى طالب الدراسات العليا الذي ترك بعثته العلمية والعيشة الرغيدة وطموحاته المجيدة في بلاد الغرب وعاد إلى بلاده عله ينفع أبناء وطنه ويساهم في رفد المحرر بالكوادر.

ولا بد لك أن ترى ذلك الشاب الذي أفنى أنضر سنوات عمره معفّراً على جبهات العز والتضحية.

وانظر إلى الأفق لترى ذاك الطفل الذي أضحت أحلامه تناطح أحلام الرجال، وقد أضاف إلى قاموس جواب ذاك السؤال الرنان (ماذا تريد أن تصير عندما تكبر؟)

طبيب؟ مهندس؟ طيار؟ فيجيب عنه طموحه (رئيس!).

سترى التمحيص على أشدّه، وسترى الغربال يُسقِط كل من رجحت كفة سوئه ويفضحه.

ليبقي واجهة الثورة نضرة صافية.

فكم من دنيء ظهر شره على المحك وكم من بطل ظهر بهاؤه في المحن.

سترى كثيراً من المغتربين تميزوا وأضاءوا جباهنا بهم في دول المهجر

في جامعاتهم، في مشاريعهم وأعمالهم.

وسترى الكثير الكثير، فعدوى النهضة قد استفحلت وسيأتي آن لجني ثمارها.

هي حال شعب طموح أفرزت الثورة أفضل ما لديه، وربما أيضاً أسوأ ما لديه! ربما!

ولكن لا يطغى العكر على الماء، ولا يلبث إلا راقداً ساكناً، (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد.

لننظر بإيجابية تجاه الثورة السورية، فأحلامنا وآمالنا بثورتنا ليست أحلاماً وردية أو ضروباً من خيال، فهي أحلام أزهرت على دماء أكثر من مليونٍ من الشهداء.

أحلام مُنينا بها على آهات مئات آلاف المعتقلين، وبنيناها على أوجاع المشردين وخيام المهجرين.

نعم، سوف ننظر بإيجابية ونكمُّ أفواه الانهزامية، فالنظر بسوداوية سيأتي بالهزيمة الحتمية.

سننظر بإيجابية لنستطيع نقد ثورتنا بموضوعية، لا كما ينقدها عشاق تلك النظرية، نظرية المؤامرة الكونية، أو أصحاب الروح الانهزامية.

سننظر بإيجابية ونُري العالم المتعامي أننا أهل الحرية لا مجرد ضحية. فثورتنا لم تكن مجرد آهات أو صرخات مدوية أو تدمير للبنى التحتية، بل كانت نهضة لشآم أبت في دينها الدنيّة.

كانت نهضة لشآم بشّر بها محمد خير البرية، سننظر بإيجابية ونعلي راية الحق -والحرية خفاقة عليّة، بشعب قفز من شبه أمية إلى النخبوية.

DET Platformبإيجابية – ماذا جنت الثورة السورية؟
قراءة المزيد

عوالم مجهولة

No comments

ميساء شهاب

عندما تغرب الشمس سيتسلل شعاع أخير إلى داخل غرفتها ليختبئ في خزانتها ويرتدي ثيابها واضعاً بين ثنايا الأنسجة روح النهار.

لم تعتد منى على ذاك الحمل الثقيل بعدُ، خاصة أنّ هناك من يساعدها في ترتيب المنزل والطبخ والغسيل لكن حدث أن تمت الموافقة على المنحة المقررة لسفر أختها وإكمال دراستها في الخارج.

لا شيء يمكن أن يصبح أثقل من الفراق رغم أنّ الإيمان بأنّ الحياة لا تقف على أحد ولا عند أحد كان من المبادئ الأساسية في حياة منى، لكن اليوم اختلف الأمر وبقيت وحيدة.

كان الأمر صادما، لكن لكلٍّ حياته ولكلّ منا طريقه الذي سيمشيه. لم تعرف منى حينها أنّ الحياة ستتغير ملامحها بوجهها ولم يعد بإمكانها مجاراة الأحداث بهذه السرعة اللامعتادة.

في ذاك اليوم ارتدت منى ثيابها وخرجت تبحث عن عمل والشعاع يرافقها أينما اتجهت.

شعرَت بأنّ هناك شيئا غير مألوف، السعادة والرضا تسكنان قلبها، وكأن شيئا يقول لها أجل أنت ستكونين بخير. كانت تمشي وكأنها المرة الأولى التي تدوس قدماها أرض مدينتها.

نظرَت للسماء كانت الغيوم تشكل لوحة عذبة من الرسوم الجميلة، ونسمة منعشة ترافقها، شعور بالسعادة غمرها وشيء ما جعلها تتجه إلى حديقة مدينتها.

في ذاك الوقت من النهار نادراً ما تجد أشخاصا هناك، كون الوقت وقت دوام ومدارس، اتجهَت الى الحديقة وجلست على مقعد قرب شجرة الصفصاف، شعاع الشمس مازال هناك في ثنايا أنسجة ثيابها يتلون بألوان قوس قزح ويتموج عبر أثير جسدها.

أخرجت من حقيبتها زجاجة ماء صغيرة، ارتشفت رشفتين ونظرت حولها، لم يكن هناك الكثير من الناس بالكاد ثلاثة أو أربعة أشخاص.

بعد دقائق دخل رجل يلبس بنطالا أبيضا وجاكيتا طويلا لونه أبيض أيضاً، نظرت إليه منى فشعرت برعشة ما تعبر جسدها.

تقدم الرجل باتجاهها وجلس على المقعد المقابل لها، ملامحه هادئة ويبعث على الهدوء والسكينة نظر باتجاهها وابتسم، كانت محرجة من نظرته وجلوسه مقابلها!

لم تعطي للأمر أهمية كبيرة، أخرجت من حقيبتها دفترا وقلما وبدأت تراجع مواعيد العمل، سمعت صوتا يقول لها لا داعي للبحث عن عمل فالحياة ليس فيها ما تستحقينه، نظرت باتجاه الصوت فإذا بالرجل ينظر إليها ويبتسم.

هناك عمل قد ترغبينه بشدة، قال لها.
من أنت وما أدراك أنني أبحث عن عمل؟ قالت له.
أعلم كل شيء عنك وليس صدفة قدومك الى هنا. نظرت إليه مستغربة تنتظر جوابا عن استفسار عينيها.
ستكونين معنا في مجموعتنا الصغيرة، ستكونين سعيدة جدا لأنّ قلة من يُختارون، فما رأيك؟

انتابها الفضول وسألته مجموعة ماذا! من أنتم؟

ابتسم قليلا ثم نهض ليجلس بقربها، ونظر الى عيناها مباشرة، عيناه صافيتان تماما، تشعرانها بالهدوء والاستسلام، لم تنطق بحرف، وضع يديه على يديها واختفا من تلك الحديقة إلى عوالم أخرى لا نعلمها.

DET Platformعوالم مجهولة
قراءة المزيد

طلاب الجامعة وحبة كراميل لا تفوت

1 تعليق

فادية شيراني

لعلكم شاهدتم او سمعتم عن فيلم عربي اسمه حبة كراميل، فيلم يحكي قصة امرأة ركبت دواء لابنتها الشابة لرفع مستوى ذكائها، وكان الدواء على شكل حبة كراميل تناولتها الفتاة فأصبحت تسمع كل كلام الناس من حولها، ليس ما يتحرك به لسانهم وحسب بل ما يحدثون به أنفسهم!

وهنا بدأت الكارثة، عندما أصبحت تعرف خبايا النفوس، وصارت تسمع كلمات الحسد والغيرة والكراهية والاستهزاء والسخرية التي تضج بها صدور من يبتسم في وجهها.

وصارت الأم تبحث عن حل يعيد الفتاة إلى ما كانت عليه، ولا بأس ببعض الغباء،
وما الضير في قليل من الغباء إن كان سيخفف علينا ألم الحقيقة؟ هل علينا أن نفتش في كل شيء؟ من فتش الألماس، ألم يجد أصله فحماً؟! من سافر إلى القمر، ألم يجده ترابا؟!

“الحمد لله أنني لا أملك هذه الفراسة” قالت نهى لنفسها بعد أن شاهدت الفيلم،
ثم ذهبت لتنام باكراً وتصحو باكراً لتذهب إلى الجامعة وتحضر الدروس، وربما تتناول القهوة مع صديقتها في الاستراحة، لديها صديقة مقربة واحدة وصديقة أخرى تنضم إليهما أحياناً.

هذا هو عالم نهى في الجامعة، مضى نصف السنة الثانية في الجامعة وهي لا تعرف أحداً، ولا تريد أن تعرف أحداً. حتى صديقاتها لم تخترهن بنفسها بل كان اجتماعهن محض صدفة، كنّ أول من دخل إلى دائرة صحبتها، وأغلقت الباب بشدة على من سيدخل بعدهن، واكتفت بهن، أو هكذا كانت تظن.

فهي لم تستطع أن تشاركهن أحلامها المجنونة، فقررت أنّ هذه الأحلام مستحيلة، ليس لها مكان سوى في خيالها الذي تسبح فيه كل يوم حتى الغرق.

وفي أشد لحظات تفاؤلها كانت تقول لنفسها: لا بد أنّ هناك من يفكر مثلي، لكن كيف سأعثر عليهم وكيف سيعثرون علي؟ هم موجودون بالتأكيد، لكن ليس هنا، ليس في جامعتي، وليس في هذه البلد كلها أيضاً، أشعر وكأنّ من أبحث عنهم يسكنون السماء، والأرض تشدني إليها بعيداً عنهم.

لقد أطلَقَت أحكاماً سلبية على عامة الناس على مبدأ “المكتوب مبين من عنوانه”! أحكامها المسبقة وضعتها في موضع لا يقل سلبية عن الصدمة التي عاشتها بطلة الفيلم التي تناولت حبة الكراميل.

كانت وحيدة جداً تعيش في عالمها الخاص المنفصم عن واقعها المحدود بتصوراتها وتحفظاتها. وكلما مرت الأيام في الجامعة يزداد شعورها بتحولها إلى دمية تستمع إلى الدرس وتحفظ وتقدم الامتحانات وتحصل على العلامات.
لكن القدر كان يخبئ لها حبة كراميل لا تُفوّت.

حبة كراميل لن تجعلها تسمع حديث النفوس إلهاماً كما في الفيلم، بل ستسمعه بأذنها وتراه بعينها المجردة، ستنطق به الأفواه وتتحرك به الجوارح.

بدأ مجرى حياتها بالانعطاف عندما لمست حاجة طلاب الدفعة الجديدة في القسم الذي تدرسه إلى مساعدتها، فبادرت إلى مساعدتهم، فتعرفت إليهم وإلى أصدقائهم، واتسعت دائرة معارفها شيئاً فشيئاً لتتعرف إلى هموم الكثير من الطلاب وغيرهم، سواء في حرم الجامعة، أو في محيطها، أو بعيداً عنها.

تسمع قصصهم وتقول: “أصلح الله حالهم”.  وماذا عساها أن تفعل غير ذلك؟
وهنا أفاقت الطفلة النائمة في نهى وسألتها:
ماذا كان هدفك من دخول الجامعة ومتابعة الدراسة؟ أليس التأهل لعمل شيء يفيد المجتمع؟
– بلى

-ألا ترين أنّ مجتمعك يحتاج إلى خدمات لا تحتمل الانتظار حتى موعد التخرج؟
-نعم هذا صحيح

-لماذا لا تؤدين واجبك إذاً؟

-كيف لي أن أفعل؟ أنا لا أستطيع

-“أنا لا أستطيع”! كلمة كسولة جبانة تتنكر بثوب التواضع. أتظنين أنّ هذا سيبرر تهربك من عظيم المسؤولية؟ إن كانت كل هذه الهموم لا تؤرقك فافعلي ما شئت.

لقد أرقت نهى ليلتها أرقاً شديداً بالفعل، وعندما طلع الصبح كانت قد أعدت خطتها ووجدت الحل في تنظيم عمل تطوعي فالتقت بأصدقائها ومن تعرفهم فرادى وجماعات وأخبرتهم بما قالته لها نهى الطفلة ليلة الأمس. وتباينت ردود الأفعال، وكانت أول صدمة لحبة الكراميل! وتلتها صدمات.

صدمها خذلان أشخاص طالما علقت عليهم آمالاً، وقصور أفعال أشخاص عن بلوغ نصف ما يقولون، وقصور عقول آخرين عن رؤية من لا يدور في فلكهم وكانت تراهم متواضعين.

صدمها ما كشفته من حيل أصدقاء كانت تظنهم أرفع أو على الأقل أذكى من فعل ذلك. صدمها رؤية أقوام يذكرون المرء بمقولة “اعمل خيراً وارمه في البحر”، وآخرون يقال فيهم: “اتق شر من أحسنت إليه”.

وآخرون يذكرونك بقول الله تعالى: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة) المنافقون -4.
ولكن في المقابل، عرفت أرواحا منحت روحها القوة باستمرار لتواجه تلك الصدمات، عرفت أناساً رأت فيهم جمال الحياة بطيبتهم وشجاعتهم وكرمهم وشهامتهم وتفانيهم ومروءتهم، وكانت من قبل تمر بهم مراراً ولا تلتفت إليهم على الإطلاق.
عرفت أناساً معرفة ندمت بعدها على السنين التي مضت دون أن تعرفهم،
أدهشها رؤية ما قد يختبئ وراء البسمات والضحكات وما قد تخفيه الدموع والتنهيدات.

فالمكتوب لا يظهر من عنوانه في كثير من الأحيان. كل هذا كان من مفعول حبة الكراميل في ثنايا العمل التطوعي الذي أسسته. وأكثر من ذلك، اكتشفت ذاتها هي.

وقفت على دقائق نفسها في أصعب المواقف وعرفت عيوبها ومواضع عجزها،
وتعلمت كيف تواجه هذه الحقائق التي تتكشف أمام عينيها يوماً بعد يوم. تعلمت أن تحب الناس بحسناتهم وسيئاتهم كلها -إلا الكذب ما وَجَدت لصاحبه حلاً ولا دواء.

وأخيراً وجدت حلقة الأصدقاء الذين يشاركونها أحلامها ويدعمونها مع أنهم لم يكونوا مثاليين -وليس من الحكمة البحث عن المثالية بيننا نحن البشر- إلا أنهم كانوا لها كنزاً لا يعوض بثمن. وانضمت إلى فريق تطوعي آخر أملاً في أن تكبر هذه الحلقة وتصبح أقوى وأكثر نفعاً وتأثيراً.

ربما من الجميل أن تغفل عن العيوب التي لا يخلو منها أحد والمشاكل التي لا تنقص من مجتمع -وما أكثرها في مجتمعاتنا- لكنّ الأجمل أن تراها عين اليقين وتبقى قوياً متماسكاً، وتداويها ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

بل ليست مسألة جميل وأجمل، هي مسألة موت وحياة، إن كنت غافلاً أو متغافلاً فأنت ميت، متى استيقظت وأبصرت وعملت حييت.

DET Platformطلاب الجامعة وحبة كراميل لا تفوت
قراءة المزيد

لِمَ لَم نُخلق خرافا!

No comments

دعاء يوسف داود سالم

“سبحان من أحل الحلال”، هذه العبارة لم تفارق لساني منذ لحظة مراقبة ذبح الأضحية (خروف العيد)، فلأول مرة أتابع ذبح الأضحية مباشرة وبكامل تفاصيلها من الألف إلى الياء.

وبعد كلمة “اللهم تقبّل” هاجت الأفكار في خاطري وتأثرت جداً بذبح ذاك الكبش الذي مكث يومين بجوارنا، قد يعتبرها البعض إفراطا في المشاعر، لكن هي حقيقة وفطرة النفس البشرية.

بعد ملاحقة طويلة للخروف -وحقاً أتعبهم قبل الإمساك به وتثبيته للقيام بذبحه- وبعد محاولات عدة منه للإفلات أسلم أمره للذبح وهو كالغريق المتعلق بقشة، يعلم أنه سيموت لكنه يحاول النجاة.

بعد سنّ السكين وتمريرها على رقبة الخروف ثبّت الجزار قرنيه للأسفل ليتحقق الموت. يا الله، كم كان صوت حشرجة الموت مُدميا، يعلم أنه يموت ولكنه متشبث بالحياة حتى الرمق الأخير.
يا ترى هل للحيوانات سكرات موت؟! أم أنها حشرجة الموت؟؟ هذا ما خطر في ذهني وأنا أراقب لحظاته الأخيرة.

في نهاية الأمر هو حيوان يأكل، يشرب، يتكاثر وينام، فلم التمسك بالحياة إذاً؟ لم لا يريد الموت؟ هل ليعود فقط للأكل والنوم؟ والعيش في منظومة يعيش عليها منذ بداية الخلق لم يحدث فيها أي تغيير؟

أم أنّ الحياة لها طعمٌ آخر بالنسبة له؟ أم أنّ الخوف من الموت حقيقة ليست مقتصرة على إنسان كان أم حيوانا؟

حينها استذكرتُ مواقف عدّة لمن كان يراهن على أننا نعيش لكي نسلّم للموت ويكثر من عبارات “آخرتنا حفرة متر بمتر” أو “كلنا ميتين”، “وما بقي من العمر أكثر من اللي راح”، من باب التثبيط لكل من يسعى لتحقيق أحلامه وطموحاته.

ألم يتمعنوا في مقولة “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا” كم تحمل من معانٍ مثيرة في التوازن الفكري والروحي والعقائدي، في علاقة الإنسان بالدنيا والآخرة؟
ألا يعلمون أنهم إن ماتوا ولم يحدثوا أي فرق في المجرة فهم كالخراف؟! ألا يعلمون أنّ الموت حق وأننا نعلم أننا ميتون! “ولكن ميت عن ميت بفرق”! ألم يتذوقوا حلاوة التأثير وإحداث الفرق؟ ألم يتساءلوا عن حقيقة وجودهم على هذه الأرض؟

فإذا كانت المعادلة كذلك، إذاً لم لم نخلق خرافاً؟ أو أي نوع من أنواع الحيوانات أيّاً كانت. ألم يعلموا أنّ الخالق ميّزنا عن سائر المخلوقات بهمتنا بطموحنا بأحلامنا وطاقاتنا؟
إذا كان بالفعل مصير الحياة فقط الموت، فلم خُلقنا مبدعين واختص الله المواهب لأكثرنا؟؟ لم خُلقنا بذاك الشغف الذي يقلق نومنا؟!
يردد أحدهم قوله تعالى “ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، هنا لا أختلف بالفعل معكم ولكن ما معنى العبادة؟ هل هي مقتصرة على الصلاة والصيام؟

فالله قد خلق الملائكة يسبحونه غدواً وعشياً بكرة وأصيلاً، إذاً فالله خلق الإنسان لغاية أخرى غير العبادة التي باتت لدى البعض أقرب إلى طقوس يؤديها دون تحقيق معناها، ألم يدخل في معنى العبادة السعي وإحداث الفرق وإعمار الارض؟

ألم يقل الله عز وجل في وصف من أعرض عن الحق وبات يعيش حياته في إشباع شهواته بأنهم “كالأنعام بل أضل سبيلا”، وهذا الوصف ينطبق على من بات في حياته بلا هدف وبدون تحقيق الغاية التي خُلق لأجلها وهي عبادة الله وعمارة الأرض.
نعلم جيداً أننا قد وجدنا وفق منظومة كونية مُحكمة الصُنع في كافة تفاصيلها، أما الغفلة الرهيبة التي يسبح في غمار بحارها الكثيرون، فهم يعيشون حرصا على ألا يموتوا. دون أي قضية أو هم أو وظيفة سامية، ثم رحلوا عن الأرض فتركوها أكثر خرابا مما أتوا إليها.

تبدو ثنائية الموت، بين حالة خروف لا محالة سيعود ترابا، وبين إنسان سيحاسب عن كل همسة وغمزة، وتشبثهما بالحياة حدّ “الموت”، تعطيني انطباعا عن ذاك الزواج الكاثوليكي بين الحياة والموت، فالحياة تتدفق دوما من رحم أخرى آيلة للغروب، فالمهم أن نجعل لحياتنا معنى ما دمنا نمتلكها.

DET Platformلِمَ لَم نُخلق خرافا!
قراءة المزيد

أطلال

No comments

محمد ملاك قاسم

“ويمرُّ بي طيفها وتسكن الأحلام، جميلة وأحبّها واسمها شآم”.

لا كلام يصف حال مغترب عن بلده، قلّما شعرت بالحنان في هذه الأرض رغم حبي لها وتعلّقي بها وتمسّكي بالبقاء فيها دون سواها. ذاك الحنان الذي كنت تبثّينه في صدري كلّما انكسرت أو جرحت، جدرانك التي ملأت عينيّ عبقاً وشبقاً، حاراتكِ التي أكلت من قدميّ قطعة كما يقال!

أتذكر المرور من نسختكِ القديمة، أيامَ الخميس والجمعة، حيث تهيمن الأسواق و(البسطات) والباعة على المساحات الضيّقة، وترى بائعي الحبّ بأوجه بشوشة، يتهافتون عليك بتزاحم، متلهّفين لبضع كلمات من الشكر وبضع ليرات يسدّون بها جوعهم وجوع أبنائهم.

لا شكّ أنَّ اسطنبول من أجمل مدن العالم، حيث الطبيعة والمساحات الشاسعة. حتى لتزاحم السكانِ فيها جمال معيّن! بل وحتى لمرارة الرّكوب في المواصلاتِ أثرٌ في النّفس! أمر من الغرابةِ بمكان! كأنَّ روحاً ما سكنت هذه البقعة من الأرض! ترى فيها كلّ أصناف البشر، لونا وعرقا ودينا وقومية!

لستُ بصدد الحديث عن اسطنبول أكثر من ذلك، فهذه الكلمات خصّصتها لكِ، خصّصتها لإيصالِ شوقي لكلِّ تفاصيلك، وكأنّكِ من حسنك سكنْتِ الجزء الأكبر في قلبي، حيث لا مجال لبيع شبر منه، لا مجال حتى للتّفكير في ذلك.

حيّي الصغير، القابون، ولدتُ وترعرعت فيه. كان له الأثر الأكبر في نفسي، كنت أعشق تفاصيله، والجولة على الدراجة متنقّلا بين أزقّته المختلفة المساحات، حيث الضيّقة تنتهي بالعريضة، والعكس أحياناً.

واللهِ لو خيروني بين امتلاك كنز لا تحصى قيمته، أو القيام بجولة واحدة على الدّراجة كما الزمنِ القديمِ، لاخترتُ الجولة! شعورٌ مزيج من الفرح والجنون والنشوة لا يقدَّر بأيّ كنز.

كيف أنسى حارة منزلي، وحارة منزل جدّي، حيث كسرنا أنا وأولاد أعمامي كلّ نوافذ بيوت الحارة ألف مرّةٍ على الأقل، بكراتنا التي كنّا نبكي على كلّ واحدة منها عندما يمزّقها جارنا المتجهّم بقلب بارد كلّما دخلت منزله.

هو نفسه ذلكَ الجار الذي كان يعطينا بسكويتا كلّما شاهدنا، يعطينا بسكويتا في الصّباحِ ويمزّق كرتنا عند المغرب!

كيف أنسى باعة الفلافل وأفران الخبز والسّاحات والمقاهي في كلّ بضعة أزقّة! كيفَ لا أحنُّ لبائع الجبنِ والزيتونِ و(الشنغليش) و(المكدوس)! كيف لا أشتاق -رغم شتمي له وللسائق ولوالده ولأبنائه وللمواصلات ككل- لركوب (السرفيس أو المكرو) وتحديد طريقة الرّكوب المرغوبة باستخدام كفّ اليد!

كيف لا أحنُّ لمدرستي الأولى والثانية والثالثة والرابعة! كيف أنسى كلّ من مرّوا فيهم من أصدقاء ومعلّمين، وأشخاصاً كنّا نكرههم ونضربهم ويضربوننا! والهروبَ من المدرسة أثناء الدوام، ونصب الفخاخ للمعلمين، والشّتائم من المُوَجّهِ مع بعض الحيل الرّخيصة للإيقاع بنا، والتراشق بقطع المقاعد المكسورة، والعصيّ التي نفخت يداي، والفصل الداخلي والخارجي، حيث كان متوسّط مدّته ثلاثة أيام!

كيف أنسى مسجدي (مسجد الحسن)، الذي كان له الفضل الأكبر في إنشاء شخصيّتي وتعريف مبادئي، وأستاذي صاحب القلب الطيب والرّوح الجميلة الذي لا أعلم عنه شيئاً الآن، كيف أنسى مدى عشقنا له وتأثيره فينا! وكيف لا أشتاق للرّحلات و(السيارين) والمخيّمات التي قضينا فيها أنبل وأندر وأحلى المواقف! لكن..

نفيت واستوطن الأغراب في بلدي، ودمّروا كلَّ أشيائي الحبيبات!

دمّروك! دنّسوا أرضكِ! بحجّة حربهم ضدّ الإرهاب! والله لو سألت الإرهابَ نفسه عنهم لمات خوفاً، لما استطاع أن ينطق بحرف!

جعلوا أصابعهم في آذانهم ورفضوا سماع مطالبنا مع بساطتها، قتلوا زهرة شبابِنا ودنّسوا سمعة رموزنا واشتروا ضعاف النّفوس منهم! وضعوا أرضنا على كفّ عفريتٍ يقلّبُها كيفما يشاء. يأخذنا بالقصف والرّصاص تارة، وبالحصار والتّجويع تارة، وبال (كيماوي) تارةً أخرى.

لقد جرَّبوا فينا كلّ ما كان في شغفهم الإجراميّ، ونفسهم الدّنيئةِ المدنّسةِ! صنعوا سجون الدّمار ومعتقلات القتل البطيء! نحتوا فيك لوحات التّباهي خاصّتهم، وشتّتوا شملنا، لكنّه فوقهم هناك، أعلى من رؤوسهم جميعاً.

“روحي فداؤكَ طال البعد يا وطني، كفى ضِراماً بنفسيَ المعذّبةِ

ما الاصطِبار! فراق الشام ألْهبني، أفديك، أفديك، هذا بعض أمنيتي

دمشق في القلب، قلبِي في هوى حلبٍ، دمي حماةُ ونَوحُ الجِسْرِ أُغنيتي

سوريّةُ اليومَ بركانٌ، سيولُ دمٍ، شامُ الرّسولِ منارٌ، نارُ ملحمتي

شام الرّسول منارٌ! نار ملحمتي”

 

تحرير: أحمد فاضل حللي

DET Platformأطلال
قراءة المزيد

بين نأي وناي

1 تعليق

مجد محمد بكسراوي

كنت سأسعدُ جداً لو أنني استطعت كتابة عنوان لا يناسب التدوينة، أنا فقط أحاول الحديث عن الفاصلة بين نأيٍ، وناي.

هل يهرب الصمت حقاً إن نطقنا؟

هل السكوت حقاً علامة رضى أم كما قالوا سلاحُ العارفين؟

بفضلها تعلمت للمرة الأولى كيف يمكن للأسئلة أن تبقى بلا إجابة، للغة أن تتبدد وللأحرف المستعرة شوقاً أن تعزف ناياً ليس كأي ناي، نأياً ليس كأي نأي.

– قبيحةٌ مشاعري..

جمعنا حلم، هواءُ مدينتين..

مئات الطّرقات والناس التائهين، عشراتُ النقاشات وبعضُ الأسئلة، قضيّةٌ واحدة، ونصفُ مشكلة..

هي الجميلةُ المتطفلة، كثيرةُ الابتسامات الباهظة، واضحةُ الشّقاء، هي كحيٍّ في دمشق ليلاً، كسورِ يافا، كألمٍ تشعّب في جسد نحيلٍ سقطت عنه أهليّته، كهاربٍ تشبّث بالموسيقا.

أما أنا.. ففاصلة!

فاصلةٌ بين حلمٍ قطع يده اليمنى بعد أن سرقَ المخيّلة، وبين مخيلةٍ سمحت لحلمٍ عابر أن يتودد إليها!

أنا حقّاً لا أجيد إلا أن أكون الفاصلة الوحيدة.. ما بينَ نأيٍ، وناي.

DET Platformبين نأي وناي
قراءة المزيد

تكوين فرق العمل عند ذي القرنين

No comments

آلاء النجار

اعتمد ذو القرنين على منهجية العمل الإدارية الصالحة، وكان صاحب رسالة نابعة من الله، ولخص ذو القرنين الإدارة والقيادة الربانية في ثلاثة أهداف.

الهدف الأول: هو الدعوة في سبيل الله.

الهدف الثاني: العمل الصالح.

الهدف الثالث: قيادة الأمم لما فيه صلاحها.

{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ}، فكان هنا براعة التسليم لقضاء الله وقدره، وتحليه بالإيمان اليقيني بوحدانية الله، وجرأته في الحق، أي الذي مكنني في هذا العمل ووطأه لي وقواني عليه هو الله، وهذا يشير إلى أنّ القيادة والإدارة ربانية.

تنفي مفهوم (لست وحدك)، ومن الوحيد الذي يعلم أنك بالفعل وحدك لولاه سبحانه، إننا نحتاج إلى من يدفعنا إلى الحلم، وينبهر بخطواتنا البسيطة.

فالدعم هنا كان من رب العباد، من القاهر فوق عباده، أليس هذا كافياً، ماكنت لتقوم بنفسك بل بالله، فالله يعرف من أنت ولكن أنت لا تعرف من أنت، وعند انتهاء الردم بضخامته وإعجازه (قال هذا رحمة من ربي)، أوكل الأمر إلى الله، أعانني برحمته لهم حتى بنيته وسويته، وأعتمد على مسبب الأسباب رغم وجود قوة الأسباب.

ثم شرع ذو القرنين في تحديد هدف لبناء فريق، واعتمد فيه على أربع أركان:

  • وضع قائمة بالأهداف المتوقعة: فكانت الرؤية المستقبلية، إن يأجوج ومأجوج سيعيثون فى الأرض الفساد طيلة حياتهم، فوضع الهدف المحدد، وهو إقامة ردم ضخم على أعلى تقنية، كي يمنع هجمات يأجوج ومأجوج أبد الدهر.
  • قام بصياغتها بأسلوب مخصص: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ}، وهنا يشير إلى الثقه المتبادلة بين أعضاء الفريق أي الثقة في الآخرين وهي ضرورة من ضروريات تكوين الفرق.

لأن أي إنجاز لا يتم إلا عن طريق الثقة المتبادلة، تلك الحقيقة التي أعلنها ذو القرنين وهو يتحدث إليهم عندما قال لهم {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ}، زكى قدراتهم الذاتية وأكسبهم الثقة في أنفسهم، فتحولوا إلى طاقات بشرية هائلة نفذت أكبر ردم، وهنا نشير إلى براعة ذي القرنين في الاجتماع بهم والانفتاح معهم، كانوا شعبا خائفا لا يكاد يفقه قولاً، إنها أزمة بحق.

استمع إليهم أولاً وهم يعرضون عليه أزمتهم، [قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا].

فقام ذو القرنين بتهدئة الحضور والسيطرة على زمام الموقف حتى يتهيأ للجميع تلقي المهام، واحترم آرائهم فلم يوجه إليهم نقداً أبدوه من حل لأزمتهم، ولكن بهدوء {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ}.

وأجاد التخاطب مع قوم لا يكادون يفقهون قولاً، تلك هي القيادة التحويلية التي تحول الجموع المتكاسلة إلى قوة بشرية لتنفيذ أكبر مشروع على الأرض.

  • عزز روح التعاون (الروح الجماعية)، وقام بتوزيع المسؤولية عليهم ثم شرح لهم وبين لكل عضو منهم عمله وواجباته ليكون العمل على أكمل وجه، في تسلسل متتابع لمراحل تنفيذ الردم ومعاونته لهم والاستفادة من خبراتهم.
  • وضع قواعد أساسية للفريق، من الثواب والعقاب، [فقال أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرا وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا]، معاقبتهم في الدنيا لمن ظلم وخالف الأمر، ومكافئة المتميزين منهم مادياً ومعنوياً.

 

يعلمنا القرآن أنّ كل عمل يعمله الإنسان لا بد أن يكون مؤدياً للغرض، الذي أقيم من أجله، فالردم الذي تم بناؤه لا بد أن يحقق هدفين:

  1. المتانة والقوة، بحيث لا يمكن أن يحدثوا فيه ثقباً ينفذون منه.
  2. عالي جداً يصعب عليهم أن يتسلقوه.

وحقق تنفيذ الردم هذين الهدفين، فعلى القادة حين يخططون لتنفيذ الأهداف أن يضعوا أعلى معايير الجودة والأداء ليصلوا بفريقهم إلى أفضل النتائج.

يعلمنا ذو القرنين، كيف تُغير الواقع قبل أن يُغيرك.

DET Platformتكوين فرق العمل عند ذي القرنين
قراءة المزيد

كن مثلك

No comments

كرم محمد الشامي

لا تكن غيرك
لا تعجب بشيء لا يشبهك

لا تقلد الآخرين

كن، أنت، أنت
اعمل لما به آمنت
لا تخطئ مرتين

مرة لأنك لم تكن أنت
والثانية لأنك حاولت، أن تكون غيرك
مصيرك ذلك الذي أنتجته أفكارك

ونفذته يدك التي بصماتها يستحيل أن تشبه أحدا
هل اقتنعت أنك أنت، أنت
ولا يمكن أن تكون غيرك
اجمع كل مصادر القوة التي فيك
وانثرها هنا وهناك
وسترى أنها سترسمك أنت
روحك أنت
وجهك أنت
ملامحك أنت
أفكارك أنت
صوتك أنت
ومهما حاولت لن ترسم غيرك
كن أنت يا صديقي
لهذا خلقت، لتكون أنت وليس غيرك
إن لم تكن أنت، لن تكون غيرك
ومن غيرك يقدر أن يكون أنت
ولا غيرك، ولا أنت، قادر أن يكون أنا
كل خلق كي يكون هو
أنا، أنت، هو، هي، هم، نحن
كلنا لسنا مثل بعض
كلنا نملئ الأرض
لكل منا كيانه، دوره، شكله
روحه، همسه، قلبه
حتى النبض غير قابل للتشابه
كن أنت، ولا أحد إلا أنت

DET Platformكن مثلك
قراءة المزيد

أبي

No comments

أنس القصير

مع كل يوم أكبر فيه أرى شعرة بيضاء جديدة تزين رأسك وأستنير طريقي من بريق لحيتك.

أنت من أمسك بيدي فخضت بي غمار الحياة كي أصير رجلا أصارع الصعاب وأتخطى المسافات نحو المستقبل.

كنت قد فكرت مليا في هذه الحياة، الأب سنة من سننها قد أوجده الله ليحمل ذلك الحمل الثقيل على كاهله، فذاك آدم وهذا أبي وبينهما الآباء قد توالت حتى ولدت أنا لأصير أبا أحمل بعد ذلك رسالة آبائي.

عذرا منك أبي فقد حملتني نحو الحياة وحملتك نحو قبرك، لم أكن أقصد أن أهيل عليك التراب لتغيب عن الدنيا وتغيب عن ناظري، ولكن الله جعل ذلك إكراما للمغادرين.

لقد ترقبت ظهرك الذي كان يتقوس في كل يوم مع تقوس الغروب نحو إشراق جديد، كان قلبي يحترق ويتلاشى كما الشمعة تنير الأمكنة على حساب وجودها ولكنك سبقتني وجعلت من نفسك قدوة حتى في هذه.

كم من جائزة عالمية وبراءة اختراع خيالية وتصرفات أسطورية وعوالم افتراضية سلبت عقول الناس بإعجازها وهي في الحقيقة لا تساوي عندي شيئا أمام إنجازاتك بي يا والدي.

كم من كتاب قرأته طيلة حياتي يحوي بين دفتيه أسماء العظماء وفي الحقيقة لم أجد اسما لرجل أعظم منك يا والدي.

أول شي رأيته في هذه الدنيا عيناك التي لم يغادرني بريقها طيلة حياتي، عيناك التي بكت عند بكائي.

عيناك لغة أخرى كنا نتكلم بها كي لا يفهمنا أحد، كانت كلماتك تصلني مع كل طرفة نحوي.

يدك التي مسحت جسدي مرارا كي تزيح عني ألم المرض عندما كنت صغيرا، ولكي تزيح عني ألم الصعاب طبقا عن طبق حتى صرت كبيرا.

لم أنس يوما أن أشكر صنيعك يا والدي وقرنت شكرك بحبيبتي وقرة عيني أمي كما علمني ربي في كل إقبال للشمس وإدبار، رب اغفر لي ولوالدي رب ارحمهما كما ربياني صغيرا.

DET Platformأبي
قراءة المزيد

Unknown مجهول

No comments

محمد ملاك قاسم

الذاكرة..

إنّ من أصعب ما قد يمر به الإنسان هو أن يفقد ذاكرته، أو بالأحرى هويته.

تتركز الذاكرة في عملها على تدوين وتخزين أحداث مر بها الإنسان، أحدثت في داخله تقلباً ما، أو تركت أثراً ما، وقد تصبح هذه الأحداث من أغلى ممتلكاتنا حيث أنّ البعض مستعد لخسارة حياته مقابل الحفاظ عليها، لأنه لو وضع الإنسان في موقف تعرض فيه لضرر أو عطل في الذاكرة، سيصاب بالجنون! وخاصة إن أنكره من حوله.

د. مارتن هاريس (ليام نيسون) يسافر إلى برلين مع زوجته ليز (جانيواري جونز) لحضور مؤتمر للدكتور بريسلر (سيباستيان كوتش) حول بحثه القائم على تطوير نوع معين من المحاصيل الزراعية القابلة للنمو بسرعة وبجودة عالية في أي مناخ، وبتمويل من أمير سعودي يدعى الأمير شادا (ميدو حمادة).

ثروة حقيقية سيقدمها الدكتور بريسلر للعالم دون مقابل، ثروة بإمكانها تعويض 40% من النقص الغذائي حول العالم.

ينزل هاريس في المطار، وأثناء تفريغه لحقائبه في سيارة الأجرة، ينسى حقيبة يده التي تحتوي على كل أوراقه الثبوتية على عربة الحقائب، وعند وصوله إلى الفندق يلاحظ نسيانه لها، فيستقل سيارة أجرة أخرى للعودة لإحضارها.

في طريق العودة يتعرض هاريس إلى حادث، حيث تسقط سيارة الأجرة في النهر فيرتطم رأسه بزجاج النافذة، ولكن السائقة جينا (ديان كروغر) تتمكن من إنقاذه، وينقل إلى المشفى حيث يصحو من غيبوبته بعد 4 أيام.

يستيقظ ليجد زوجته تدعي أنها لا تعرفه، ورجلا آخرا انتحل هويته.

يجد نفسه مطاردا من قبل قتلة مأجورين، وجميع السلطات الرسمية تتنكر له، ليبدأ في رحلة استعادة هويته، وكشف الحقيقة وراء غموض الأحداث التي يتعرض لها.

وبمساعدة جينا والمحقق السابق في الشتازي -الاستخبارات الخاصة في ألمانيا الشرقية قبل سقوط جدار برلين- إرنست يورغن (برونو غانز) يستطيع كشف الحقيقة.

وحدة سرية، عبارة عن مجموعة من القتلة المأجورين، والذي كان هو نفسه عضوا فيها، تسعى لقتل الدكتور بريسلر وسرقة بحثه، عن طريق قنبلة زرعها هو نفسه في الفندق مسبقا، لتبدو الحادثة على أن المتطرفين يريدون قتل الأمير شادا وسيتم قتل الدكتور بريسلر عن طريق الخطأ.

يركز الفيلم على جانبين رئيسيين، الجانب النفسي، وإظهار حركة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، حيث أن بعض المشاهد في الفيلم تُظهر حديثا بين أشخاص أتراك بشكل غير مباشر، وجينا نفسها كانت مهاجرة بوسنية غير شرعية، تتحاشى الظهور أمام الجهات الرسمية الألمانية خوفا من ترحيلها.

لنجد أنه حتى في أفلام هوليوود وحتى قبل حركات الربيع العربي، يتم التركيز على هذا الجانب وإن كان بشكل غير مباشر، رسالة واضحة منهم أننا لا نتقبلكم ولا نريد منكم القدوم إلينا.

صدر الفيلم في 20 شباط 2011، بميزانية بلغت 30 مليون دولار، وحقق في أسبوعه الأول إيرادات بلغت 21 مليون دولار، وبإجمالي إيرادات بلغت 136 مليون دولار، ترشح لثلاث جوائز منها جائزة الأوسكار لكنه لم يحقق أيا منها.

 

المصادر: IMDb، Wikipedia

DET PlatformUnknown مجهول
قراءة المزيد