أطلال

No comments

محمد ملاك قاسم

“ويمرُّ بي طيفها وتسكن الأحلام، جميلة وأحبّها واسمها شآم”.

لا كلام يصف حال مغترب عن بلده، قلّما شعرت بالحنان في هذه الأرض رغم حبي لها وتعلّقي بها وتمسّكي بالبقاء فيها دون سواها. ذاك الحنان الذي كنت تبثّينه في صدري كلّما انكسرت أو جرحت، جدرانك التي ملأت عينيّ عبقاً وشبقاً، حاراتكِ التي أكلت من قدميّ قطعة كما يقال!

أتذكر المرور من نسختكِ القديمة، أيامَ الخميس والجمعة، حيث تهيمن الأسواق و(البسطات) والباعة على المساحات الضيّقة، وترى بائعي الحبّ بأوجه بشوشة، يتهافتون عليك بتزاحم، متلهّفين لبضع كلمات من الشكر وبضع ليرات يسدّون بها جوعهم وجوع أبنائهم.

لا شكّ أنَّ اسطنبول من أجمل مدن العالم، حيث الطبيعة والمساحات الشاسعة. حتى لتزاحم السكانِ فيها جمال معيّن! بل وحتى لمرارة الرّكوب في المواصلاتِ أثرٌ في النّفس! أمر من الغرابةِ بمكان! كأنَّ روحاً ما سكنت هذه البقعة من الأرض! ترى فيها كلّ أصناف البشر، لونا وعرقا ودينا وقومية!

لستُ بصدد الحديث عن اسطنبول أكثر من ذلك، فهذه الكلمات خصّصتها لكِ، خصّصتها لإيصالِ شوقي لكلِّ تفاصيلك، وكأنّكِ من حسنك سكنْتِ الجزء الأكبر في قلبي، حيث لا مجال لبيع شبر منه، لا مجال حتى للتّفكير في ذلك.

حيّي الصغير، القابون، ولدتُ وترعرعت فيه. كان له الأثر الأكبر في نفسي، كنت أعشق تفاصيله، والجولة على الدراجة متنقّلا بين أزقّته المختلفة المساحات، حيث الضيّقة تنتهي بالعريضة، والعكس أحياناً.

واللهِ لو خيروني بين امتلاك كنز لا تحصى قيمته، أو القيام بجولة واحدة على الدّراجة كما الزمنِ القديمِ، لاخترتُ الجولة! شعورٌ مزيج من الفرح والجنون والنشوة لا يقدَّر بأيّ كنز.

كيف أنسى حارة منزلي، وحارة منزل جدّي، حيث كسرنا أنا وأولاد أعمامي كلّ نوافذ بيوت الحارة ألف مرّةٍ على الأقل، بكراتنا التي كنّا نبكي على كلّ واحدة منها عندما يمزّقها جارنا المتجهّم بقلب بارد كلّما دخلت منزله.

هو نفسه ذلكَ الجار الذي كان يعطينا بسكويتا كلّما شاهدنا، يعطينا بسكويتا في الصّباحِ ويمزّق كرتنا عند المغرب!

كيف أنسى باعة الفلافل وأفران الخبز والسّاحات والمقاهي في كلّ بضعة أزقّة! كيفَ لا أحنُّ لبائع الجبنِ والزيتونِ و(الشنغليش) و(المكدوس)! كيف لا أشتاق -رغم شتمي له وللسائق ولوالده ولأبنائه وللمواصلات ككل- لركوب (السرفيس أو المكرو) وتحديد طريقة الرّكوب المرغوبة باستخدام كفّ اليد!

كيف لا أحنُّ لمدرستي الأولى والثانية والثالثة والرابعة! كيف أنسى كلّ من مرّوا فيهم من أصدقاء ومعلّمين، وأشخاصاً كنّا نكرههم ونضربهم ويضربوننا! والهروبَ من المدرسة أثناء الدوام، ونصب الفخاخ للمعلمين، والشّتائم من المُوَجّهِ مع بعض الحيل الرّخيصة للإيقاع بنا، والتراشق بقطع المقاعد المكسورة، والعصيّ التي نفخت يداي، والفصل الداخلي والخارجي، حيث كان متوسّط مدّته ثلاثة أيام!

كيف أنسى مسجدي (مسجد الحسن)، الذي كان له الفضل الأكبر في إنشاء شخصيّتي وتعريف مبادئي، وأستاذي صاحب القلب الطيب والرّوح الجميلة الذي لا أعلم عنه شيئاً الآن، كيف أنسى مدى عشقنا له وتأثيره فينا! وكيف لا أشتاق للرّحلات و(السيارين) والمخيّمات التي قضينا فيها أنبل وأندر وأحلى المواقف! لكن..

نفيت واستوطن الأغراب في بلدي، ودمّروا كلَّ أشيائي الحبيبات!

دمّروك! دنّسوا أرضكِ! بحجّة حربهم ضدّ الإرهاب! والله لو سألت الإرهابَ نفسه عنهم لمات خوفاً، لما استطاع أن ينطق بحرف!

جعلوا أصابعهم في آذانهم ورفضوا سماع مطالبنا مع بساطتها، قتلوا زهرة شبابِنا ودنّسوا سمعة رموزنا واشتروا ضعاف النّفوس منهم! وضعوا أرضنا على كفّ عفريتٍ يقلّبُها كيفما يشاء. يأخذنا بالقصف والرّصاص تارة، وبالحصار والتّجويع تارة، وبال (كيماوي) تارةً أخرى.

لقد جرَّبوا فينا كلّ ما كان في شغفهم الإجراميّ، ونفسهم الدّنيئةِ المدنّسةِ! صنعوا سجون الدّمار ومعتقلات القتل البطيء! نحتوا فيك لوحات التّباهي خاصّتهم، وشتّتوا شملنا، لكنّه فوقهم هناك، أعلى من رؤوسهم جميعاً.

“روحي فداؤكَ طال البعد يا وطني، كفى ضِراماً بنفسيَ المعذّبةِ

ما الاصطِبار! فراق الشام ألْهبني، أفديك، أفديك، هذا بعض أمنيتي

دمشق في القلب، قلبِي في هوى حلبٍ، دمي حماةُ ونَوحُ الجِسْرِ أُغنيتي

سوريّةُ اليومَ بركانٌ، سيولُ دمٍ، شامُ الرّسولِ منارٌ، نارُ ملحمتي

شام الرّسول منارٌ! نار ملحمتي”

 

تحرير: أحمد فاضل حللي

DET Platformأطلال
قراءة المزيد

تكوين فرق العمل عند ذي القرنين

No comments

آلاء النجار

اعتمد ذو القرنين على منهجية العمل الإدارية الصالحة، وكان صاحب رسالة نابعة من الله، ولخص ذو القرنين الإدارة والقيادة الربانية في ثلاثة أهداف.

الهدف الأول: هو الدعوة في سبيل الله.

الهدف الثاني: العمل الصالح.

الهدف الثالث: قيادة الأمم لما فيه صلاحها.

{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ}، فكان هنا براعة التسليم لقضاء الله وقدره، وتحليه بالإيمان اليقيني بوحدانية الله، وجرأته في الحق، أي الذي مكنني في هذا العمل ووطأه لي وقواني عليه هو الله، وهذا يشير إلى أنّ القيادة والإدارة ربانية.

تنفي مفهوم (لست وحدك)، ومن الوحيد الذي يعلم أنك بالفعل وحدك لولاه سبحانه، إننا نحتاج إلى من يدفعنا إلى الحلم، وينبهر بخطواتنا البسيطة.

فالدعم هنا كان من رب العباد، من القاهر فوق عباده، أليس هذا كافياً، ماكنت لتقوم بنفسك بل بالله، فالله يعرف من أنت ولكن أنت لا تعرف من أنت، وعند انتهاء الردم بضخامته وإعجازه (قال هذا رحمة من ربي)، أوكل الأمر إلى الله، أعانني برحمته لهم حتى بنيته وسويته، وأعتمد على مسبب الأسباب رغم وجود قوة الأسباب.

ثم شرع ذو القرنين في تحديد هدف لبناء فريق، واعتمد فيه على أربع أركان:

  • وضع قائمة بالأهداف المتوقعة: فكانت الرؤية المستقبلية، إن يأجوج ومأجوج سيعيثون فى الأرض الفساد طيلة حياتهم، فوضع الهدف المحدد، وهو إقامة ردم ضخم على أعلى تقنية، كي يمنع هجمات يأجوج ومأجوج أبد الدهر.
  • قام بصياغتها بأسلوب مخصص: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ}، وهنا يشير إلى الثقه المتبادلة بين أعضاء الفريق أي الثقة في الآخرين وهي ضرورة من ضروريات تكوين الفرق.

لأن أي إنجاز لا يتم إلا عن طريق الثقة المتبادلة، تلك الحقيقة التي أعلنها ذو القرنين وهو يتحدث إليهم عندما قال لهم {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ}، زكى قدراتهم الذاتية وأكسبهم الثقة في أنفسهم، فتحولوا إلى طاقات بشرية هائلة نفذت أكبر ردم، وهنا نشير إلى براعة ذي القرنين في الاجتماع بهم والانفتاح معهم، كانوا شعبا خائفا لا يكاد يفقه قولاً، إنها أزمة بحق.

استمع إليهم أولاً وهم يعرضون عليه أزمتهم، [قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا].

فقام ذو القرنين بتهدئة الحضور والسيطرة على زمام الموقف حتى يتهيأ للجميع تلقي المهام، واحترم آرائهم فلم يوجه إليهم نقداً أبدوه من حل لأزمتهم، ولكن بهدوء {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ}.

وأجاد التخاطب مع قوم لا يكادون يفقهون قولاً، تلك هي القيادة التحويلية التي تحول الجموع المتكاسلة إلى قوة بشرية لتنفيذ أكبر مشروع على الأرض.

  • عزز روح التعاون (الروح الجماعية)، وقام بتوزيع المسؤولية عليهم ثم شرح لهم وبين لكل عضو منهم عمله وواجباته ليكون العمل على أكمل وجه، في تسلسل متتابع لمراحل تنفيذ الردم ومعاونته لهم والاستفادة من خبراتهم.
  • وضع قواعد أساسية للفريق، من الثواب والعقاب، [فقال أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرا وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا]، معاقبتهم في الدنيا لمن ظلم وخالف الأمر، ومكافئة المتميزين منهم مادياً ومعنوياً.

 

يعلمنا القرآن أنّ كل عمل يعمله الإنسان لا بد أن يكون مؤدياً للغرض، الذي أقيم من أجله، فالردم الذي تم بناؤه لا بد أن يحقق هدفين:

  1. المتانة والقوة، بحيث لا يمكن أن يحدثوا فيه ثقباً ينفذون منه.
  2. عالي جداً يصعب عليهم أن يتسلقوه.

وحقق تنفيذ الردم هذين الهدفين، فعلى القادة حين يخططون لتنفيذ الأهداف أن يضعوا أعلى معايير الجودة والأداء ليصلوا بفريقهم إلى أفضل النتائج.

يعلمنا ذو القرنين، كيف تُغير الواقع قبل أن يُغيرك.

DET Platformتكوين فرق العمل عند ذي القرنين
قراءة المزيد

قصتي مع متلازمة توريت – الجزء الأول

1 تعليق

عبد الرحمن سليم

بدأت قصتي في الصف الثاني الابتدائي، يوم كنت في السابعة من عمري.

في ذلك الوقت كنت كباقي الاطفال في المدرسة، لا أختلف عنهم أبداً، بل وكنت متفوقاً في دراستي.

ذات صباح استيقظت وحركة تنتابني لا أستطيع السيطرة عليها، كانت أكتافي تتحرك حركة لا إرادية، في تلك اللحظة بدأت المعاناة.

معاناة في المجتمع وفي المدرسة وفي الطريق وحتى في العائلة، باختصار في كل جوانب حياتي.

في الصف انتبهت المعلمة للحركة التي تصدر عني، وطلبت مني أن أكفّ عن ذلك! أما أنا فكنت فاقد السيطرة تماماً على تلك الحركة.

في البيت أيضاً فقد لاحظ أبي وأمي أني اقوم بتحريك أكتافي، وأمروني فوراً بالتوقف عن ذلك، بذلت كل جهدي محاولاً إيقاف الحركة ولكنني كنت عاجزاً تماماً، فبدأ الأهل بتوبيخي ظناً منهم أنني أقوم بهذه الحركة تقليداً لشيء أعجبني.

لم يكن في تلك الفترة الوعي كافٍ، ولم يكن الحصول على المعلومة سهلا كما هو الحال في زماننا، لذا كان من الصعب إقناع من حولي أنّ هذه الحركات هي بداية مرض اسمه متلازمة توريت.

شعرت بالخوف والحزن في آن واحد، الخوف من هذه الحركات والحزن من نظرة الناس.

فشلت كل محاولاتي، وضاقت بي الأرض، خاصة بعد أن ازدادت وتيرة الحركات وقوتها.

وبعد مدة من الزمن ذهبت مع أسرتي إلى الطبيب الذي لم يكن لديه أيّ تفسير حول ما يجري معي سوى أنه قال: لعلها نتيجة علاج تناولته سابقاً! بالطبع لم يكن جواب الطبيب جوابا شافيا على الإطلاق.

ومع مرور الأيام خفّت حركات أكتافي، ولكنها انتقلت إلى رقبتي وأصبحت أحرك رقبتي وأكتافي معاً.

لاحظ الأصدقاء في المدرسة تلك الحركات، وصاروا ينظرون إليّ باستغراب!

ويوماً بعد يوم سرت الحركة في الكثير من أعضاء جسمي، في أكتافي ورقبتي ويدي وساقي، كان الألم يزداد بعدد الثواني.

وقد أثّر هذا الوضع الصحي على وضعي التعليمي، فتراجع انتباهي، وتدنى مستواي الدراسي.

كان كلام الناس من حولي يزعجني جداً، كنت ألازم البيت حتى لا أسمع كلاماً جارحاً وقاسياً، وهكذا مضت سنوات وأنا أعيش حالة من الخوف والاكتئاب في مجتمع لا يرحم.

وأصبحت ردة فعلي تظهر على شكل أفكار إجرامية بكل ما تعنيه الكلمة، لقد شكل الكلام الموجه إليّ شحنة سلبية جعلتني أشعر وكأنني أعيش في الجحيم.

مرت سنين وأنا على هذه الحالة، فأثر ذلك على قوتي الجسمية، فصار جسمي ضعيفاً ولا يقارن بقوة الأشخاص الذين هم بعمري، وكان ذلك مظهرا إضافياً استغله المجتمع كي يكيل لي المزيد من الضغط.

ليس كل المجرمين يولدون بفكر إجرامي، فهناك مجرمون يصنعهم المجتمع، ليس بأدوات مثل شرب الخمر أو التدخين أو السرقة أو تعاطي المخدرات، إنما يصنعهم بالسخرية وبالتقليل من قيمة الشخص وممارسة العنصرية تجاهه، إذا كان مختلفاً عنه بلون أو عرق أو حتى مرض.

DET Platformقصتي مع متلازمة توريت – الجزء الأول
قراءة المزيد

لا أعلم هويتي

No comments

رفاه أحمد غصن

“لا أعلم هويتي” للكاتب: حسام الدين حامد.

كلنا بشر وكلنا نخطئ، وجل وعلا من لا يخطئ وحاشاه من ذلك.

لمّا كان الخطأ صفة عابرة لدى كل البشر تعتري معظمهم كان من هذه الأخطاء ما لا يُغتفَر ولا ينسى!!

قد يكون الخطأ بحق أُناس فنسعى ونسعى لتصحيحه. فكيف إن كان الخطأ بحق خالق السماوات والأرض، خالق الشمس والقمر، هادي البشر وصانع الحجر، سبحانه وتعالى.

لطالما فكّر الكثير منّا عن اللقاء مع ربنا العظيم كيف سيكون؟ وماذا سوف نقول ونحن نقف بين يديه جل وعلا؟

ولكن هل فكّر أحدنا كيف سيكون موقف من رحل عن هذه الدنيا ولم يتعرف إلى خالقه بعد؟! من لم يعي من يكون ربه؟ من لم يدرك رحمته وعظيم شأنه؟! من لم يلتمس كرمه وعطاءه؟! خسارةَ من لم يفكر في هذه اللحظة! وخسارة من لم يمد يد العون لأخيه ليضعه على طريق الحق والنور، ذلك الصراط المستقيم.

قد وضع الكاتب “حسام الدين حامد” بين أيدينا منهاجاً للدعوة إلى الحق ومعرفة الله عز وجل.

دار كتابه “لا أعلم هويتي” حول مناقشة دارت بين (مسلم ومُلحد) للدعوة إلى الإسلام وإدراك حقيقة الكون وخالقه.

كما أجاب على العديد من التساؤلات التي تدور في أذهان البشر حول قضايا متعددة تدل على قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه وإبداعه للأمور وإتقانه المُحكم جل شأنه.

كما تحدث عن الرسل الكرام عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم وصدق رسالتهم التي جاءت نوراً وحقاً للبشرية.

كان هذا الكتاب بمثابة مقدمة عن دين الإسلام وسراجاً منيراً للثبات على الصراط المستقيم.

عسى أن يجد كل ضائع هدايته قبل فوات الأوان.

DET Platformلا أعلم هويتي
قراءة المزيد

لمار

No comments

عبد الناصر القادري

تبدأ الرواية في مكان موحش للغاية، ربما الأكثر وحشة وخوفا، فرع المخابرات الجوية في الجمهورية العربية السورية، الفرع الأكثر دمويةً في عقول السوريين وإن كان جميعها دمويا، بل تبدأ الرواية برعبنا.

تذكرنا بمعتقلينا، على المستوى الشخصي، إخوتي وأبي وأمي، أبناء عمي وأخوالي وأصدقاء كثر، أبناء مدينتي وأشخاص لا نعرفهم ولكن سمعنا عنهم، لم أجرب إلا ساعات اعتقال قليلة لم تتجاوز ال ٢٤ ساعة وفي كل مرة كنت أنجو، لا أدري السبب ولماذا؟

ربما كانت الأسماء المستعارة لا تعجبني في الرواية، خيالاتهم الحقيقية ترافقني بأسماء إجرامية شديدة الوضوح، تل خروبهم وخرابنا، سليمان وعلي وصخر ولمار وزياد، أسينة وغيث والجنرال ومجيب، كل واحد منهم حمل بشاعته أمام وجهي. رغم معرفتي بأغلب ما دار في الرواية من خطوط عامة ربما يعرفها كل سوري حر، بحثَ عن الحقيقة في وجوه المعتقلين قبل الثورة أو الشهداء والمعتقلين والجرحى وأمهاتهم بعد الثورة.

لمار هي الشخصية الحقيقية لكل فرد من هذه العائلة وربما الطائفة حتى، لمار هي الوجه الحقيقي لعشرات السنوات من الحقد الأسود في قلوب ليست بقلوب.

لمار لم تكن استثناءً، بل مرآة كبيرة لهم، وإن كانت تلعب شخصيتها في الواقع الأم التي اتخذ لها صخر معبدا في مدخل البلدة العرين والميؤوس منها، القرداحة طبعاً.

لمار عدوة شخصية لكل إنسان فينا، لمار هي الحقد الأسود الذي زرع في سياج البلد، في بردى، في دمشق القديمة، الساحرة الشريرة التي تريد أن تغرق العالم بألاعيبها ونفسها المريضة، هي تماما كذلك.

أحسست بأن الرواية مقلة جداً، في القصص التي تشيبنا ويمكن ذكرها دون ملل لأهميتها في تأريخ روائي لأكثر من ٧٠ سنة.

الرواية منسوجة بأسلوب جميل وممتع وقاس أحياناً ولكنها محاولة جديدة في وصف ماضٍ مرعب وواقع أشد إيلاماً ورعبا، وإن أعتب على الكاتبة بأنها لم تعطي للثورة حقها في نفوس عائلة لمار المدمرة، الرعب من انطلاق الثورة، زياد الذي لا يدري ما يفعل بداية الأمر كل ذلك يستحق.

فالثورة كما أنها نشلتنا من الموت السريري أحيتنا كذلك، وفي المقابل حكمت عليهم بالموت، وضعتهم في اللاخيار، في مكان بين الجحيم والسعير، أخذ السلطة من النفوس المريضة هكذا، فهم ليسوا جائعي سلطة فحسب، بل جوعى، كالبهائم كل شيء مباح، بل أضل سبيلا.

لعل أكثر ما يعلق في ذهنك بعد الحقد الذي يملكونه علينا هو الانتهازية ضد بعضهم البعض، ولو ملكوا أنفاسنا بقي شهداؤنا رعب أحلامهم المستمر وأنينُ الثكالى عذابهم.

والتاريخ يكتب، وأقلامنا صلبة جداً..

DET Platformلمار
قراءة المزيد

وتنحى جبروت الواقع

1 تعليق

أبي تللو

مذ رحل فؤادي من آهات أنينٍ سعيدٍ في غوطتي إلى آهات الأسى في غربتي، حين تنشّقت عبق ياسمينها المخضّب بدماء الشهداء للمرّة الأخيرة فاختلطت رائحة الياسمين بالمسك عبيراً لا ينسى.

وفي مشهدٍ لوداع البلاد دون أخذ ميعاد، فالحال تدهور سريعاً وحتّم علينا الفراق، في ذلك المشهد أبٌ يودّع وأم تبكي والأرض تنزف على فراق من داس أرضها بحريّة. ظنّت شام أنّ الأمر قد انتهى وأسدل السّتار وانتهت المسرحيّة وكلّ شيءٍ عاد كما كان قبل سبع سنين.

تنظر إلى عيني شام التي تلألأت بالدّموع لتعكس حال أبنائها اللذين بقوا على أرضها وما أصابهم من ذلٍّ وظلمٍ، وتنظر تارةً أخرى لتعكس مشاهد أبنائها المهجّرين ممن تركوها خوفاً على دينهم وأنفسهم.

همدت فجأة وشعرت بالانهيار وأغمضت عينيها استسلاماً للواقع المرير لتهوي الدّمعات من عينيها، وفجأةً عكست القطرات الأخيرة المتساقطة صورةً لأبنائها، اللذين لم يمض على فراقهم لها مجتمعين في أولّ مشروع جامع على استكمال سنة الدراسة التي هُضِمَت خلال الحملة الهمجيّة على أرضها ليحملوا مشاعل العودة من جديد.
لم تكن تلك اللقطة الأخيرة بل كانت الأبرز على همّة شعبٍ آمن بقضيّته وسعى لإيجاد بصيص ضياءٍ يتعلّق به للوصول إلى درب النّور.

مشهدٌ لأبناء شامٍ في دار الهجرة، في عيدهم الأوّل قد وضعوا بهارج العيد، في معركةٍ مع الواقع، ليرفعوا شهادات النّجاح كدليلٍ على أوّل نصرٍ في واقعٍ مرّ. سوف يلحقه النّصر الأكبر، عساه في واقعٍ أبهرٍ وكادر أجدر وهمة أكبر بعد العمل على أسباب التمكين متوكلين على العليّ القدير.
ووقف الواقع بجبروته إجلالا لهمم أعجزته عن إخمادها.

DET Platformوتنحى جبروت الواقع
قراءة المزيد

إليك أيتها الأم المسلمة

No comments

آلاء النجار

دور الأم المسلمة في تنشئة الأبناء، تسقي كل زرع فهي المدرسة الأولى التي يتربى في حضنها رجال ونساء المستقبل.

مشروعكِ كمُربية:
من أهم القضايا التى ينبني عليها صحة استقامة الأبناء هي الطاعة والعبادة، وهي قضية لا ينبغي أن تهمل، فالأم لها دور مهم جداً فى غرس حب الطاعة وحب العبادة في نفوس الجيل الذي تربيه. حتى يَخرُج في الأمة الجيلُ الذي يصبر أمام الفتن والمحن.
ما هو دورك الحقيقي تجاه أمتك؟ أن تبني في أبناءك نفسية (أنا لأمتي وأمتي لي). من المهم ألا تموت هذه القضايا فى نفوس أبنائنا وهذا يستلزم من الأم تعريفهم قضايا أمتهم، وأسباب ضياعها، وكيف نعمل في اتجاه عودتها؟
علميهم أيتها الأم العمل للدين حتى آخر الأنفاس وأنّ قضية العمل للدين قضية حياة، اغرسي في نفوسهم أن لكل شيء ثمنا.
والأمة ضعيفة اليوم، فما الذي سنقدمه نحن لتعود أمتنا وتنتصر؟ فهذا من شأنه أن يولد عندهم المسؤولية تجاه قضايا الأمة وعدم الغفلة عنها. فعلى قدر ما تعتني فى تكوين النظرة السليمة لدى الأجيال يكون مقدار نجاحك فى أداء الأمانة وتبليغ الرسالة.

ولا تنسي عزيزتي الغالية: التوجيه ودوره المؤثر في حياة أبناءك، فالتوجيه بمثابة البوصلة نحو الهدف.
كيف نصل إلى التقييم الصحيح لأبنائنا ومدى قياس استجابتهم لمثل هذه القضايا؟ من خلال عدة محاور:
1. محور المفاهيم والأفكار: قياس مستوى الفهم والاستيعاب واقعياً وبدقه، من خلال الحوار المتبادل والنقاش المفتوح بين الأبناء.
2. ملاحظة تساؤلاته وإجاباته وتعليقاته على المواقف والأحداث.
3. محور الالتزام السلوكي ومصاحبته في أداء هذه الأعمال ومشاركته فى تنفيذها وملاحظة مستوى أدائه.

فالصباح لا يتغير إلا بكِ، وكل يوم يأتي بشكل أجمل بقدر ما تحملينه من مسؤولية. ينبغي ألا تنسي أن مهمة التربية من أعظم المهام وأدقها، لأن مصير الأجيال يكون بين يديكِ، فالمستقبل ينتظر غرسكِ اليوم، ولا تَرضي بالقليل، فأمتنا مَكلومة وجُرحها غائر.
ولا تكوني ممن فقد السيطرة على نفسه في دوامة الحياة وأنتِ تملكين ولو فكرة تحرريهم بها من أسر الدنيا، فالحياة ليست دار انتظار.
العمر لن يقف فإياكِ أن تقفي، وحين تضيق بكِ الدنيا ويشتد عليكِ الظلام تذكري ربك فوقك، وتذكري دائماً أن الله لقلبك، الله لأوجاعك، الله طبيبكِ وحبيبكِ ورفيقكِ الدائِم، وما سِواه عدم.

لم يكن حلمك ورسالتك أكبرمنكِ ولكن في هذه الحياة نحن مجبرون على تحمّل ضريبة الأحلام والقضايا الكبيرة.
مهما طال بنا الطريق وتفرقت بنا السُبل، المهم أن تخطي خطوة نحو حلمكِ وقضيتكِ واسألي نفسكِ دوماً: ما الذي يدور في رأسي؟ ما أكثر الأمور التي أفكر بها وأهتم لأجلها؟ ما الذي نرجوه عند الله مما نهتم ونعمل من أجله في هذه الدنيا؟ هل يستوقفك هذا السؤال؟ أم أننا نحيا حياة غير الحياة؟
ولكن من المؤسف في عصرنا الحاضر ومما تنفطر منه القلوب هو الزيف والتصنع وعدم تحمّل المسؤولية الفطرية.
عدم الانشغال بالقضايا الكبرى، والانغماس في زيف الحياة الوهمية وبعدك عن الطريق، الذي نتج عنه عدم فهم حقيقة الطريق الذي عجز عن إدراكه كثير من أبناء الإسلام اليوم، فضرب عليهم التيه فى الأرض عقوداً لم تنتهي بعد.
فمن يجتهد أن يكون له منهج واضح له ولأبنائه سيصير الانضباط عادته وطبعه، خير ممن يخبط على غير هدى.

هكذا هي المسلمة كالنحلة مجتهدة تسقي كل زرع فتكون نعم المرأة، تحترم فطرتها وتؤدي واجباتها ولا تخشى في الله لومة لائم.
لديها قدرة على التوازن بين ترتيب أولوياتها ودوائر حقوقها، فلنعد المسلمة السوية التي تقف صامدة أمام الفتن والمحن كي تعد للسؤال أمام الله جواباً مقنعاً.

DET Platformإليك أيتها الأم المسلمة
قراءة المزيد

الانحدار الأخلاقي بين الحاضر والماضي

No comments

رحاب بكار

هل كانت المجتمعات السابقة خالية من الانحلال الاخلاقي؟ هل كانت مجتمعات سليمة 100%!

أليست عادة البكاء والنحيب على الماضي من عادات الإنسان التي لا تتغير! هل نستطيع القول أننا نجيد تمثيل دور الضحية بشكل جيد دائما! هل سنبقى على ما نحن عليه نراقب ونحلل ونندب حظنا ليلا ونهارا في الجرائد وعلى القنوات، لا نجيد سوى الكلام والتساؤلات التي لا تغير من الواقع شيئاً!

إذا كان السؤال بداية البحث عن الحل فلماذا لم ننتقل لمرحلة الحل بعد سنين وعقود من طرح الأسئلة وتضييع الشعوب وتنفيرها من واقعها؟

لا نستطيع إنكار إنجازات عصرنا هذا العبقرية والتغني بالعصور السابقة، أو إنكار الفنون والآداب والاكتشافات.

مشكلة عصرنا هذا في نظري هي الشفافية الزائدة لأن شعوبنا العربية غير معتادة على هذه الشفافية،
لكن وسائل التواصل الاجتماعي أزالت تلك السرية التي كانت تغطي حياة الكثير وأفكارهم. فوسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، وفي مجتمعات غير معتادة لا على حرية الرأي ولا على احترام آراء الآخرين ولا على حرية الفكر هي سلاح قاتل. وسائل التواصل كشفت لنا كل القشور والأغطية عن عقول الكثير، وعن ثقافات المستخدمين لها.

نسب انعدام الثقافة والجهل مخيفة جداً ولكن أيضا لا ننكر كمية الثقافة والتحضر التي نراها. كل فيديو أشاهده على اليوتيوب أقرأ التعليقات التي في أسفله، وفي الغالب تكون التعليقات مثيرة للاشمئزاز، حتى ولو كان الفيديو يحوي خبراً علميا أو اكتشافا جديدا أو مسابقة ما.

لا أفهم سبب انتشار فواحش الكلام في كل مكان وعن كل موضوع، وهل كانت هناك مشاكل مماثلة لهذه في العصور السابقة، ولكنها في عصرنا هذا وصلت إلى وضع لا يحتمل أبداً!

عندما أتخيل أنّ عدداً كبيراً من الناس يحمل في رأسه هذا المستوى من الكلام المقزز لا أستطيع تقدير حجم ثقافته التي تعب عليها. ولا يمكننا فقط التحدث عن الانحلال الأخلاقي الحاصل الآن لأنه في العصور السابقة أيضا كان هناك انحلال أخلاقي وكل زمن كان يعاني من مشكلة ما، وفي كل عصر مفهوم آخر عن الانحلال الأخلاقي وحد مغاير له.

في كتاب قرأته للدكتور مصطفى محمود كان يتحدث فيه عن شرور الأرض وأنها من طبيعة الكون، الشر مخلوق قبل أن يوجد البشر وحيث تكون الحرية يكون الخطأ وما خطيئة آدم إلا رمزا للحرية.

فهل نستطيع اعتبار كل هذه الأخطاء ضريبة للحرية التي قدمتها لنا وسائل التواصل الاجتماعي!

 

DET Platformالانحدار الأخلاقي بين الحاضر والماضي
قراءة المزيد

الشاب العربي بين التغيير والرِضى بالمصير

No comments

مجد محمد بكسراوي

كل الذي غيّرناه إلى اليوم لم نستطع تغييره بعد!

لنفكّر بالأمر من زاوية أخرى، يمكننا اليوم التفكير بتغيير جميع الأشياء الخارجية الخاصة بنا، يمكنك تغيير منزلك مثلاً، ثيابك، هاتفك، قصّة شعرك، ويمكنك تغيير طريقك إلى عملك أو مدرستك؛ كل هذا أصبح تحقيقه سهلاً لدرجةٍ ما، لكن هل فكّرت يوماً مثلاً أن تغيّر مواعيد نومك التي اعتدتها منذ سنوات؟

هل فكرت أنه لربما هناك خلل بسيط في طريقة التفكير بالأمور الروتينية اليومية ويجب تغييرها لتتناسب مع طبيعة وجودك؟ فكّرتَ مثلاً بتغيير طرق تعبيرك عن مشاعرك تجاه من تحب أو تكره؟

أنا فكرت، فعلى سبيل المثال دائماً ما وجدتُني لا أستطيع النوم بلا ضوء، تصالحتُ مع نفسي مرّة وجربت النوم بعد إطفاء ضوء الغرفة أُسوةً بباقي الناس على هذه المعمورة! بعد عدة أيام قليلة من المحاولات نجحت بتغيير أمرٍ اعتدته طوال سنوات طويلة.

كنت أكره الفطور الصباحي أيضاً فما أذكر مرةً واحدة أنني تناولت فطوراً ثم خرجت من المنزل لممارسة الحياة المُعتادة، بل كنتُ أعطي القهوة مساحة صباحية كبيرة دون التفكير بتناول فطور بسيط قبلها، اليوم أنا لا أستطيع شُرب قهوتي قبل طعام الإفطار!

بدا لي بعد عدة محاولات للتغيير الداخلي أنّ الأمر مسألة اعتياد وبهذا يكون تغيير بعض الأمور التي اعتادتها النفس أسهل مما نتوقع، فالنّفس على ما اعتادت عليه.

ما هو التغيير الحقيقي الصعب إذن؟!

أن تُغيّر مجتمعا، أن تجعل التّسليم للمصير (القدر) يتزامن تماماً مع اللحظة التي تقوم فيها بالتغيير، أن تقوم مثلاً بثورةٍ تُسقِط فيها كل فكرة متشرذمة أُدخِلت عنوةً إلينا.

لم أقصد بكلمة “ثورة” ما أصبحنا نفهمه من مفهوم الثورة، فثمان أو تسع سنوات في عالمنا العربي كانت كفيلة أن تقلب هذا المصطلح رأساً على عقِب.

إنّ ما نعيشه اليوم من حروب فاشيّة هي بالنهاية حرب نفوس وليست حرب سيوف، وسبب وجودها؟! ثوراتٌ تعدّت مفهوم الثورات لتصِل إلى حربٍ نفسية طاحنة مع بقايا الذاكرة والعقل دون تغييرٍ يُذكر على أرض الواقع.

هناك مقولة أو لربما هي حكمة لا نعلمُ حكيماً لها تقول: “انظر لنصف الكوب الممتلئ”، عزيزي القارئ، انظر لنصف الكوب الفارغ واملأهُ بما استطعت!

لو اعتبرنا جدلاً أنّ النصف الممتلئ هو من المُسلّمات أو الأمر الذي وقع ولا يمكن تغيير حدوث وقوعه (مصير)، فإنّ ملء النصف الفارغ يُعتبر تغييراً لأنه بطبيعة الحال وإن لم يُغيّر جزءاً بسيطاً من تركيبة السائل الموجود في النصف الممتلئ فإنّه وعلى أقل تقدير سيُغيّر شكل الكوب بالكامل (تغيير).

وعليه فإنّ محاولات التغيير المجتمعية اليوم أصبحت صعبة لوجود عوامل نفسية وبقايا حروب تمنع نجاحها، فهل نترك التغيير ونرضى بالمصير؟
بالتأكيد لا، إن كان تغيير المصير مستحيلاً فيجب أن نبدأ بملء نصف الكوب الفارغ في محاولة لتغيير شكل الحرب التي صُنّعَت ضمنيّاً في مجازات تفكيرنا، نبدأ بنقد ونقض الأفكار المشوّهة التي لا نعلم مصدرها، نحن بحاجة اليوم إلى ثورة فكرية متكاملة!

نعم هناك احتمال أن لا نشرب أنا وأنت من هذا الكوب الممتلئ، لكنّ ملأَه سيكون لاحقاً حجر أساس يعتمد عليه الجيل القادم بأطيافه وأصنافه المختلفة.

تذكّر، إن لم نحاول فسلامٌ على دنيا مررنا فيها مرور البخلاء!

وبما أن موضوعنا عن التغيير، وجب علينا أن نعتمد القاعدة الأساسية في هذا الموضوع: “إنّ الله لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتّى يُغيّروا ما بأنفسهم”.

اقرأ، تعلم، اعمل، تثقف، شجّع، ساعد، آمِن، يسّر واصبر. ولا تنس مَلء النصف الفارغ!

DET Platformالشاب العربي بين التغيير والرِضى بالمصير
قراءة المزيد

قليل من اليأس وكثير من الخيبة

No comments

رشدي سويد

في زحمة الأحداث وفي خضم هذه الأزمات، في زمن الحروب اليوم ومع كثرة المتغيرات، تَدخلُ صدفة لإحدى المجموعات الدينية على الفيس بوك، بعد أن تمت إضافتك من قبل صديق قديم لم تره منذ سنين.
تلاحظ أن الاسم مميز بعض الشيء، بالإضافة إلى تواجد آلاف الأعضاء في هذه المجموعة وعشرات أو مئات من الشباب المتفاعلين.

تَسألُ نفسك تُرى أيّ نوع من الأسئلة يطغى على غيرها هنا؟ وما هو الشيء المشترك الذي يبحث عن إجابته معظم الشباب ويفكّر فيه؟
تُخمّنُ لوحدكَ قبل أن تبدأ بقراءة أي منشور، ربما ستجد أسئلة فكرية صعبة تناقش مفهوم الحركات الإسلامية وشكل الدولة السياسية من منظور ديني، أو ربما سترى أسئلة اجتماعية تتطلب من الشباب المتحاورين نظرة شمولية واسعة خارج نطاق المجموعة نفسها، أو ربما ترى تحليل أحدهم لأسباب نهضة الغرب وهل من الممكن أن يُطبَّق بعضها في مجتمعاتنا المحافظة وما رأي الإسلام في ذلك!

أو ربما تخمّن شيئا آخر، شيئا ما يتعلق بالأمور العاطفية والمشاعر عند الشباب، وكيفية التحكم بها لبناء أسرة سليمة دون انتهاج طرق غير شرعية للوصول، ما هي هوامش الحب في ديننا وإلى أين يُسمح للعلاقات العاطفية أن تصل. أو ربما تجد قضية مختلفة وأكثر أهمية من الذي خمَّنتَه كله.
أي أنك وباختصار، تجهّز نفسكَ لأن تغوصَ في منشورات جدّية وثقيلة المحتوى، أسئلة خطيرة توازي متطلبات عصرنا الحالي وما يجري اليوم، هذا ما أنت تتوقع رؤيته.

تبدأ من أحدث المنشورات متوجها إلى الأقدم، الأول يسأل عن وجه المرأة إن كان عورة أم لا، وهل يجب عليها أن تغطي رأسها بخمار أو مجرد شال وهل يكفي الحجاب الطبيعي لذلك؟
تأسف جداُ لأجل هذا، تتخطى المنشور ممتعضا آملا بقضية أشمل وأكبر من ذلك. يظهر المنشور الذي يليه، وإذ به يدور في نفس الفلك أيضا، إذ أنه يستفسر عن دور المرأة في المجتمع، وهل الأفضل لها أن تبقى في المنزل مربية لأولادها أو أن تدخل الحياة الاجتماعية والسياسية وتتسلم مهاما أكثر من ذلك.

يزداد الامتعاض، ما هذا الذي كنتَ تأملُ رؤيتَه، تتخطى المنشور قاصدا الذي يليه، لترى منشورا آخر مميزا بكثرة التعليقات وكمية التفاعل، والخلاصة فيه أن هناك رجلا يفكر في الزواج وعلى بُعد خطوات من اتخاذ القرار فيه، لكنه متخوف من فشل العلاقة مستقبلا، ضاربا مثالا يتمحور حول أن يقول لزوجته أمرا معينا في إحدى الأيام وتعصيه، وهو الرجل الذي لا يطيق أن تُعصى أوامره في أي وقت، ما الذي يجب عليه فعله إن تعرض لهذا الموقف، وهل يجوز ضرب الزوجة حينها لتبقى هيبة الرجل قائمة عليها أم أن هناك حل آخر؟

يزداد الامتعاض، لستَ تدري، هل مازال الكثير منهم موجود بيننا؟ تحدّث نفسك ماذا لو أخبرتهم أن ما يشغل بالهم الآن قد تم تجاوزه منذ زمن طويل؟ وأنه آن الأوان لنلتفت لغيره؟
مجددا لستَ تدري، مصدوم من رؤية مواضيع لا يفترض أن تكون هي الغالبة هنا، ولا يفترض أن تكون محور أسئلة الشباب خصيصا. تُكملُ التصفح للأسفل بحثا عن قضية جادة تحتاج التفاعل الجيد والنقاش فعلا، لترى قليلا من القضايا التي تختلف عما تم ذكره أعلاه. قضايا مهمة بعض الشيء وضرورية للحديث فيها، لكن لا تتجاوز نسبتها الربع ولا حتى الثُمن، تكمل مجددا، حاملا بداخلك القليل من اليأس، والكثير من الدهشة والخيبة، لتعود قضايا المرأة وتتصدر دائرة الاهتمام لدى الشباب عامة في منشوراتهم هنا، كيف تبقى ساكنة لا تشوش عقولهم وكيف يمكنهم التعامل معها، وكيف يمكن السيطرة على جلسات الاختلاط وإلى ما هنالك.

طفح الكيل، أغلقتُ الهاتف لدقائق، كنت بحاجة إلى نفس عميق يعينني على الانتقال إلى مربع الكتابة هنا دون إزعاج أي أحد منهم، غادرت المجموعة، وأخذت أكتب خيبتي. لماذا مازال البعض يرى المرأة قضية شائكة في حياته، ولماذا يصرون على تعقيد أنفسهم وتغليف ذلك بالدين مستندين على تفسير خاطئ لبعض نصوصه؟ لماذا أقصى ما يستطيع البعض أن يفكر به هو كيف يتعامل مع المرأة وما دورها وما يحق لها وما عليها من لباس وغيره؟

أتساءلُ الآن، إن لم تدفعهم ملايين الأخبار المحزنة خلال كل هذه السنوات، وإن لم يدفعهم واقع مخزيٌ عصيب كالذي نعيش فيه اليوم إلى التفكير في قضايا أساسية تستحق الاهتمام من الشباب حرفيا، وتساهم في بناء ما تم هدمه من مفاهيم ضرورية في هذه الحياة، فمتى يا تُرى يفعلون ذلك؟

DET Platformقليل من اليأس وكثير من الخيبة
قراءة المزيد