بإيجابية – ماذا جنت الثورة السورية؟

No comments

أبَي تللو

أمّة، من شبه أمية إلى النخبوية

يوم اتّقدت نيران الثورة السورية، لم تكن مجرد صيحات أو هتافات أسمعت صداها جنبات العالم الأصم.

ولم تكن مجرد بندقية حرٍّ أبى الهوان لأبناء أمته، ولم تكن مجرد صواريخ انهالت على رؤوس الأبرياء.

ولم تكن مجرد غازات كيميائية سامة أفرغها أصحاب الدماء الفاسدة على أبناء شعب أَبيٍّ مظلوم.

ولم تكن مجرد خلافات واقتتالات بين أبناء الثورة على الثورة أو على بعض سوءٍ ألمّ بهم!

ولم تكن مجرد سقوط لثلثي ما جنته الثورة بعد معارك التحرير والخروج في باصات التهجير.

لم تكن مجرد آلام للمهجرين في مخيمات العار على الجبين الإنساني أو اضطهادات وتمييز بحق اللاجئين.

ولم، ولم، ولم..

لم تكن سوى بركان يغلي ويجلجل من عشرات السنين ينظر إيذاناً له بالتفجّر، وقد أوذن له.

ليُخرج من باطنه أنفس المعادن والكنوز، مع بعض أذى قد يصيب به من حوله، ولا بدّ منه.

ولكن ما عليك سوى الانتظار برهة، برهة تكفي لتبريد الحمم المكنوزة داخل ذلك البركان، لتقوم بجمعها أنفس المعادن وأغلاها.

وفقط انتظر..

سترى من تلك النفائس نماذج من إبداعات شعب كُبِتَت طاقاته.

سترى ذلك الإنسان الذي كانت أسمى أمنياته التي لطالما اتفق على تحديد سقفها مع الخراف! تتحول إلى صرح يبهرك جلاله وعلاه.

سترى ذلك العجوز الخمسيني الذي كان ينبغي على روتين حياته المتبقية أن يمضيه متقاعداً يسلِّي نفسه بملاعبة أحفاده! إلى طالبٍ يزاحم الشباب اليافع على مقاعد الدراسة ليلحق ما فاته في سنيٍّ مضت!

نعم سترى ظاهرة الشيخوخة تلاحق طلاب المدارس والجامعات!

عداك عن انهماكِ جيل الثورة الصاعد عن الترهات إلى تحصيل الشهادات والخبرات.

وسترى الجامعات المستحدثة في البقاع المحررة تتنافس لتحصيل الاعتراف الدولي بها.

وسترى طالب الدراسات العليا الذي ترك بعثته العلمية والعيشة الرغيدة وطموحاته المجيدة في بلاد الغرب وعاد إلى بلاده عله ينفع أبناء وطنه ويساهم في رفد المحرر بالكوادر.

ولا بد لك أن ترى ذلك الشاب الذي أفنى أنضر سنوات عمره معفّراً على جبهات العز والتضحية.

وانظر إلى الأفق لترى ذاك الطفل الذي أضحت أحلامه تناطح أحلام الرجال، وقد أضاف إلى قاموس جواب ذاك السؤال الرنان (ماذا تريد أن تصير عندما تكبر؟)

طبيب؟ مهندس؟ طيار؟ فيجيب عنه طموحه (رئيس!).

سترى التمحيص على أشدّه، وسترى الغربال يُسقِط كل من رجحت كفة سوئه ويفضحه.

ليبقي واجهة الثورة نضرة صافية.

فكم من دنيء ظهر شره على المحك وكم من بطل ظهر بهاؤه في المحن.

سترى كثيراً من المغتربين تميزوا وأضاءوا جباهنا بهم في دول المهجر

في جامعاتهم، في مشاريعهم وأعمالهم.

وسترى الكثير الكثير، فعدوى النهضة قد استفحلت وسيأتي آن لجني ثمارها.

هي حال شعب طموح أفرزت الثورة أفضل ما لديه، وربما أيضاً أسوأ ما لديه! ربما!

ولكن لا يطغى العكر على الماء، ولا يلبث إلا راقداً ساكناً، (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد.

لننظر بإيجابية تجاه الثورة السورية، فأحلامنا وآمالنا بثورتنا ليست أحلاماً وردية أو ضروباً من خيال، فهي أحلام أزهرت على دماء أكثر من مليونٍ من الشهداء.

أحلام مُنينا بها على آهات مئات آلاف المعتقلين، وبنيناها على أوجاع المشردين وخيام المهجرين.

نعم، سوف ننظر بإيجابية ونكمُّ أفواه الانهزامية، فالنظر بسوداوية سيأتي بالهزيمة الحتمية.

سننظر بإيجابية لنستطيع نقد ثورتنا بموضوعية، لا كما ينقدها عشاق تلك النظرية، نظرية المؤامرة الكونية، أو أصحاب الروح الانهزامية.

سننظر بإيجابية ونُري العالم المتعامي أننا أهل الحرية لا مجرد ضحية. فثورتنا لم تكن مجرد آهات أو صرخات مدوية أو تدمير للبنى التحتية، بل كانت نهضة لشآم أبت في دينها الدنيّة.

كانت نهضة لشآم بشّر بها محمد خير البرية، سننظر بإيجابية ونعلي راية الحق -والحرية خفاقة عليّة، بشعب قفز من شبه أمية إلى النخبوية.

DET Platformبإيجابية – ماذا جنت الثورة السورية؟
قراءة المزيد

طلاب الجامعة وحبة كراميل لا تفوت

1 تعليق

فادية شيراني

لعلكم شاهدتم او سمعتم عن فيلم عربي اسمه حبة كراميل، فيلم يحكي قصة امرأة ركبت دواء لابنتها الشابة لرفع مستوى ذكائها، وكان الدواء على شكل حبة كراميل تناولتها الفتاة فأصبحت تسمع كل كلام الناس من حولها، ليس ما يتحرك به لسانهم وحسب بل ما يحدثون به أنفسهم!

وهنا بدأت الكارثة، عندما أصبحت تعرف خبايا النفوس، وصارت تسمع كلمات الحسد والغيرة والكراهية والاستهزاء والسخرية التي تضج بها صدور من يبتسم في وجهها.

وصارت الأم تبحث عن حل يعيد الفتاة إلى ما كانت عليه، ولا بأس ببعض الغباء،
وما الضير في قليل من الغباء إن كان سيخفف علينا ألم الحقيقة؟ هل علينا أن نفتش في كل شيء؟ من فتش الألماس، ألم يجد أصله فحماً؟! من سافر إلى القمر، ألم يجده ترابا؟!

“الحمد لله أنني لا أملك هذه الفراسة” قالت نهى لنفسها بعد أن شاهدت الفيلم،
ثم ذهبت لتنام باكراً وتصحو باكراً لتذهب إلى الجامعة وتحضر الدروس، وربما تتناول القهوة مع صديقتها في الاستراحة، لديها صديقة مقربة واحدة وصديقة أخرى تنضم إليهما أحياناً.

هذا هو عالم نهى في الجامعة، مضى نصف السنة الثانية في الجامعة وهي لا تعرف أحداً، ولا تريد أن تعرف أحداً. حتى صديقاتها لم تخترهن بنفسها بل كان اجتماعهن محض صدفة، كنّ أول من دخل إلى دائرة صحبتها، وأغلقت الباب بشدة على من سيدخل بعدهن، واكتفت بهن، أو هكذا كانت تظن.

فهي لم تستطع أن تشاركهن أحلامها المجنونة، فقررت أنّ هذه الأحلام مستحيلة، ليس لها مكان سوى في خيالها الذي تسبح فيه كل يوم حتى الغرق.

وفي أشد لحظات تفاؤلها كانت تقول لنفسها: لا بد أنّ هناك من يفكر مثلي، لكن كيف سأعثر عليهم وكيف سيعثرون علي؟ هم موجودون بالتأكيد، لكن ليس هنا، ليس في جامعتي، وليس في هذه البلد كلها أيضاً، أشعر وكأنّ من أبحث عنهم يسكنون السماء، والأرض تشدني إليها بعيداً عنهم.

لقد أطلَقَت أحكاماً سلبية على عامة الناس على مبدأ “المكتوب مبين من عنوانه”! أحكامها المسبقة وضعتها في موضع لا يقل سلبية عن الصدمة التي عاشتها بطلة الفيلم التي تناولت حبة الكراميل.

كانت وحيدة جداً تعيش في عالمها الخاص المنفصم عن واقعها المحدود بتصوراتها وتحفظاتها. وكلما مرت الأيام في الجامعة يزداد شعورها بتحولها إلى دمية تستمع إلى الدرس وتحفظ وتقدم الامتحانات وتحصل على العلامات.
لكن القدر كان يخبئ لها حبة كراميل لا تُفوّت.

حبة كراميل لن تجعلها تسمع حديث النفوس إلهاماً كما في الفيلم، بل ستسمعه بأذنها وتراه بعينها المجردة، ستنطق به الأفواه وتتحرك به الجوارح.

بدأ مجرى حياتها بالانعطاف عندما لمست حاجة طلاب الدفعة الجديدة في القسم الذي تدرسه إلى مساعدتها، فبادرت إلى مساعدتهم، فتعرفت إليهم وإلى أصدقائهم، واتسعت دائرة معارفها شيئاً فشيئاً لتتعرف إلى هموم الكثير من الطلاب وغيرهم، سواء في حرم الجامعة، أو في محيطها، أو بعيداً عنها.

تسمع قصصهم وتقول: “أصلح الله حالهم”.  وماذا عساها أن تفعل غير ذلك؟
وهنا أفاقت الطفلة النائمة في نهى وسألتها:
ماذا كان هدفك من دخول الجامعة ومتابعة الدراسة؟ أليس التأهل لعمل شيء يفيد المجتمع؟
– بلى

-ألا ترين أنّ مجتمعك يحتاج إلى خدمات لا تحتمل الانتظار حتى موعد التخرج؟
-نعم هذا صحيح

-لماذا لا تؤدين واجبك إذاً؟

-كيف لي أن أفعل؟ أنا لا أستطيع

-“أنا لا أستطيع”! كلمة كسولة جبانة تتنكر بثوب التواضع. أتظنين أنّ هذا سيبرر تهربك من عظيم المسؤولية؟ إن كانت كل هذه الهموم لا تؤرقك فافعلي ما شئت.

لقد أرقت نهى ليلتها أرقاً شديداً بالفعل، وعندما طلع الصبح كانت قد أعدت خطتها ووجدت الحل في تنظيم عمل تطوعي فالتقت بأصدقائها ومن تعرفهم فرادى وجماعات وأخبرتهم بما قالته لها نهى الطفلة ليلة الأمس. وتباينت ردود الأفعال، وكانت أول صدمة لحبة الكراميل! وتلتها صدمات.

صدمها خذلان أشخاص طالما علقت عليهم آمالاً، وقصور أفعال أشخاص عن بلوغ نصف ما يقولون، وقصور عقول آخرين عن رؤية من لا يدور في فلكهم وكانت تراهم متواضعين.

صدمها ما كشفته من حيل أصدقاء كانت تظنهم أرفع أو على الأقل أذكى من فعل ذلك. صدمها رؤية أقوام يذكرون المرء بمقولة “اعمل خيراً وارمه في البحر”، وآخرون يقال فيهم: “اتق شر من أحسنت إليه”.

وآخرون يذكرونك بقول الله تعالى: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة) المنافقون -4.
ولكن في المقابل، عرفت أرواحا منحت روحها القوة باستمرار لتواجه تلك الصدمات، عرفت أناساً رأت فيهم جمال الحياة بطيبتهم وشجاعتهم وكرمهم وشهامتهم وتفانيهم ومروءتهم، وكانت من قبل تمر بهم مراراً ولا تلتفت إليهم على الإطلاق.
عرفت أناساً معرفة ندمت بعدها على السنين التي مضت دون أن تعرفهم،
أدهشها رؤية ما قد يختبئ وراء البسمات والضحكات وما قد تخفيه الدموع والتنهيدات.

فالمكتوب لا يظهر من عنوانه في كثير من الأحيان. كل هذا كان من مفعول حبة الكراميل في ثنايا العمل التطوعي الذي أسسته. وأكثر من ذلك، اكتشفت ذاتها هي.

وقفت على دقائق نفسها في أصعب المواقف وعرفت عيوبها ومواضع عجزها،
وتعلمت كيف تواجه هذه الحقائق التي تتكشف أمام عينيها يوماً بعد يوم. تعلمت أن تحب الناس بحسناتهم وسيئاتهم كلها -إلا الكذب ما وَجَدت لصاحبه حلاً ولا دواء.

وأخيراً وجدت حلقة الأصدقاء الذين يشاركونها أحلامها ويدعمونها مع أنهم لم يكونوا مثاليين -وليس من الحكمة البحث عن المثالية بيننا نحن البشر- إلا أنهم كانوا لها كنزاً لا يعوض بثمن. وانضمت إلى فريق تطوعي آخر أملاً في أن تكبر هذه الحلقة وتصبح أقوى وأكثر نفعاً وتأثيراً.

ربما من الجميل أن تغفل عن العيوب التي لا يخلو منها أحد والمشاكل التي لا تنقص من مجتمع -وما أكثرها في مجتمعاتنا- لكنّ الأجمل أن تراها عين اليقين وتبقى قوياً متماسكاً، وتداويها ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

بل ليست مسألة جميل وأجمل، هي مسألة موت وحياة، إن كنت غافلاً أو متغافلاً فأنت ميت، متى استيقظت وأبصرت وعملت حييت.

DET Platformطلاب الجامعة وحبة كراميل لا تفوت
قراءة المزيد

لِمَ لَم نُخلق خرافا!

No comments

دعاء يوسف داود سالم

“سبحان من أحل الحلال”، هذه العبارة لم تفارق لساني منذ لحظة مراقبة ذبح الأضحية (خروف العيد)، فلأول مرة أتابع ذبح الأضحية مباشرة وبكامل تفاصيلها من الألف إلى الياء.

وبعد كلمة “اللهم تقبّل” هاجت الأفكار في خاطري وتأثرت جداً بذبح ذاك الكبش الذي مكث يومين بجوارنا، قد يعتبرها البعض إفراطا في المشاعر، لكن هي حقيقة وفطرة النفس البشرية.

بعد ملاحقة طويلة للخروف -وحقاً أتعبهم قبل الإمساك به وتثبيته للقيام بذبحه- وبعد محاولات عدة منه للإفلات أسلم أمره للذبح وهو كالغريق المتعلق بقشة، يعلم أنه سيموت لكنه يحاول النجاة.

بعد سنّ السكين وتمريرها على رقبة الخروف ثبّت الجزار قرنيه للأسفل ليتحقق الموت. يا الله، كم كان صوت حشرجة الموت مُدميا، يعلم أنه يموت ولكنه متشبث بالحياة حتى الرمق الأخير.
يا ترى هل للحيوانات سكرات موت؟! أم أنها حشرجة الموت؟؟ هذا ما خطر في ذهني وأنا أراقب لحظاته الأخيرة.

في نهاية الأمر هو حيوان يأكل، يشرب، يتكاثر وينام، فلم التمسك بالحياة إذاً؟ لم لا يريد الموت؟ هل ليعود فقط للأكل والنوم؟ والعيش في منظومة يعيش عليها منذ بداية الخلق لم يحدث فيها أي تغيير؟

أم أنّ الحياة لها طعمٌ آخر بالنسبة له؟ أم أنّ الخوف من الموت حقيقة ليست مقتصرة على إنسان كان أم حيوانا؟

حينها استذكرتُ مواقف عدّة لمن كان يراهن على أننا نعيش لكي نسلّم للموت ويكثر من عبارات “آخرتنا حفرة متر بمتر” أو “كلنا ميتين”، “وما بقي من العمر أكثر من اللي راح”، من باب التثبيط لكل من يسعى لتحقيق أحلامه وطموحاته.

ألم يتمعنوا في مقولة “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا” كم تحمل من معانٍ مثيرة في التوازن الفكري والروحي والعقائدي، في علاقة الإنسان بالدنيا والآخرة؟
ألا يعلمون أنهم إن ماتوا ولم يحدثوا أي فرق في المجرة فهم كالخراف؟! ألا يعلمون أنّ الموت حق وأننا نعلم أننا ميتون! “ولكن ميت عن ميت بفرق”! ألم يتذوقوا حلاوة التأثير وإحداث الفرق؟ ألم يتساءلوا عن حقيقة وجودهم على هذه الأرض؟

فإذا كانت المعادلة كذلك، إذاً لم لم نخلق خرافاً؟ أو أي نوع من أنواع الحيوانات أيّاً كانت. ألم يعلموا أنّ الخالق ميّزنا عن سائر المخلوقات بهمتنا بطموحنا بأحلامنا وطاقاتنا؟
إذا كان بالفعل مصير الحياة فقط الموت، فلم خُلقنا مبدعين واختص الله المواهب لأكثرنا؟؟ لم خُلقنا بذاك الشغف الذي يقلق نومنا؟!
يردد أحدهم قوله تعالى “ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، هنا لا أختلف بالفعل معكم ولكن ما معنى العبادة؟ هل هي مقتصرة على الصلاة والصيام؟

فالله قد خلق الملائكة يسبحونه غدواً وعشياً بكرة وأصيلاً، إذاً فالله خلق الإنسان لغاية أخرى غير العبادة التي باتت لدى البعض أقرب إلى طقوس يؤديها دون تحقيق معناها، ألم يدخل في معنى العبادة السعي وإحداث الفرق وإعمار الارض؟

ألم يقل الله عز وجل في وصف من أعرض عن الحق وبات يعيش حياته في إشباع شهواته بأنهم “كالأنعام بل أضل سبيلا”، وهذا الوصف ينطبق على من بات في حياته بلا هدف وبدون تحقيق الغاية التي خُلق لأجلها وهي عبادة الله وعمارة الأرض.
نعلم جيداً أننا قد وجدنا وفق منظومة كونية مُحكمة الصُنع في كافة تفاصيلها، أما الغفلة الرهيبة التي يسبح في غمار بحارها الكثيرون، فهم يعيشون حرصا على ألا يموتوا. دون أي قضية أو هم أو وظيفة سامية، ثم رحلوا عن الأرض فتركوها أكثر خرابا مما أتوا إليها.

تبدو ثنائية الموت، بين حالة خروف لا محالة سيعود ترابا، وبين إنسان سيحاسب عن كل همسة وغمزة، وتشبثهما بالحياة حدّ “الموت”، تعطيني انطباعا عن ذاك الزواج الكاثوليكي بين الحياة والموت، فالحياة تتدفق دوما من رحم أخرى آيلة للغروب، فالمهم أن نجعل لحياتنا معنى ما دمنا نمتلكها.

DET Platformلِمَ لَم نُخلق خرافا!
قراءة المزيد

أطلال

No comments

محمد ملاك قاسم

“ويمرُّ بي طيفها وتسكن الأحلام، جميلة وأحبّها واسمها شآم”.

لا كلام يصف حال مغترب عن بلده، قلّما شعرت بالحنان في هذه الأرض رغم حبي لها وتعلّقي بها وتمسّكي بالبقاء فيها دون سواها. ذاك الحنان الذي كنت تبثّينه في صدري كلّما انكسرت أو جرحت، جدرانك التي ملأت عينيّ عبقاً وشبقاً، حاراتكِ التي أكلت من قدميّ قطعة كما يقال!

أتذكر المرور من نسختكِ القديمة، أيامَ الخميس والجمعة، حيث تهيمن الأسواق و(البسطات) والباعة على المساحات الضيّقة، وترى بائعي الحبّ بأوجه بشوشة، يتهافتون عليك بتزاحم، متلهّفين لبضع كلمات من الشكر وبضع ليرات يسدّون بها جوعهم وجوع أبنائهم.

لا شكّ أنَّ اسطنبول من أجمل مدن العالم، حيث الطبيعة والمساحات الشاسعة. حتى لتزاحم السكانِ فيها جمال معيّن! بل وحتى لمرارة الرّكوب في المواصلاتِ أثرٌ في النّفس! أمر من الغرابةِ بمكان! كأنَّ روحاً ما سكنت هذه البقعة من الأرض! ترى فيها كلّ أصناف البشر، لونا وعرقا ودينا وقومية!

لستُ بصدد الحديث عن اسطنبول أكثر من ذلك، فهذه الكلمات خصّصتها لكِ، خصّصتها لإيصالِ شوقي لكلِّ تفاصيلك، وكأنّكِ من حسنك سكنْتِ الجزء الأكبر في قلبي، حيث لا مجال لبيع شبر منه، لا مجال حتى للتّفكير في ذلك.

حيّي الصغير، القابون، ولدتُ وترعرعت فيه. كان له الأثر الأكبر في نفسي، كنت أعشق تفاصيله، والجولة على الدراجة متنقّلا بين أزقّته المختلفة المساحات، حيث الضيّقة تنتهي بالعريضة، والعكس أحياناً.

واللهِ لو خيروني بين امتلاك كنز لا تحصى قيمته، أو القيام بجولة واحدة على الدّراجة كما الزمنِ القديمِ، لاخترتُ الجولة! شعورٌ مزيج من الفرح والجنون والنشوة لا يقدَّر بأيّ كنز.

كيف أنسى حارة منزلي، وحارة منزل جدّي، حيث كسرنا أنا وأولاد أعمامي كلّ نوافذ بيوت الحارة ألف مرّةٍ على الأقل، بكراتنا التي كنّا نبكي على كلّ واحدة منها عندما يمزّقها جارنا المتجهّم بقلب بارد كلّما دخلت منزله.

هو نفسه ذلكَ الجار الذي كان يعطينا بسكويتا كلّما شاهدنا، يعطينا بسكويتا في الصّباحِ ويمزّق كرتنا عند المغرب!

كيف أنسى باعة الفلافل وأفران الخبز والسّاحات والمقاهي في كلّ بضعة أزقّة! كيفَ لا أحنُّ لبائع الجبنِ والزيتونِ و(الشنغليش) و(المكدوس)! كيف لا أشتاق -رغم شتمي له وللسائق ولوالده ولأبنائه وللمواصلات ككل- لركوب (السرفيس أو المكرو) وتحديد طريقة الرّكوب المرغوبة باستخدام كفّ اليد!

كيف لا أحنُّ لمدرستي الأولى والثانية والثالثة والرابعة! كيف أنسى كلّ من مرّوا فيهم من أصدقاء ومعلّمين، وأشخاصاً كنّا نكرههم ونضربهم ويضربوننا! والهروبَ من المدرسة أثناء الدوام، ونصب الفخاخ للمعلمين، والشّتائم من المُوَجّهِ مع بعض الحيل الرّخيصة للإيقاع بنا، والتراشق بقطع المقاعد المكسورة، والعصيّ التي نفخت يداي، والفصل الداخلي والخارجي، حيث كان متوسّط مدّته ثلاثة أيام!

كيف أنسى مسجدي (مسجد الحسن)، الذي كان له الفضل الأكبر في إنشاء شخصيّتي وتعريف مبادئي، وأستاذي صاحب القلب الطيب والرّوح الجميلة الذي لا أعلم عنه شيئاً الآن، كيف أنسى مدى عشقنا له وتأثيره فينا! وكيف لا أشتاق للرّحلات و(السيارين) والمخيّمات التي قضينا فيها أنبل وأندر وأحلى المواقف! لكن..

نفيت واستوطن الأغراب في بلدي، ودمّروا كلَّ أشيائي الحبيبات!

دمّروك! دنّسوا أرضكِ! بحجّة حربهم ضدّ الإرهاب! والله لو سألت الإرهابَ نفسه عنهم لمات خوفاً، لما استطاع أن ينطق بحرف!

جعلوا أصابعهم في آذانهم ورفضوا سماع مطالبنا مع بساطتها، قتلوا زهرة شبابِنا ودنّسوا سمعة رموزنا واشتروا ضعاف النّفوس منهم! وضعوا أرضنا على كفّ عفريتٍ يقلّبُها كيفما يشاء. يأخذنا بالقصف والرّصاص تارة، وبالحصار والتّجويع تارة، وبال (كيماوي) تارةً أخرى.

لقد جرَّبوا فينا كلّ ما كان في شغفهم الإجراميّ، ونفسهم الدّنيئةِ المدنّسةِ! صنعوا سجون الدّمار ومعتقلات القتل البطيء! نحتوا فيك لوحات التّباهي خاصّتهم، وشتّتوا شملنا، لكنّه فوقهم هناك، أعلى من رؤوسهم جميعاً.

“روحي فداؤكَ طال البعد يا وطني، كفى ضِراماً بنفسيَ المعذّبةِ

ما الاصطِبار! فراق الشام ألْهبني، أفديك، أفديك، هذا بعض أمنيتي

دمشق في القلب، قلبِي في هوى حلبٍ، دمي حماةُ ونَوحُ الجِسْرِ أُغنيتي

سوريّةُ اليومَ بركانٌ، سيولُ دمٍ، شامُ الرّسولِ منارٌ، نارُ ملحمتي

شام الرّسول منارٌ! نار ملحمتي”

 

تحرير: أحمد فاضل حللي

DET Platformأطلال
قراءة المزيد

تكوين فرق العمل عند ذي القرنين

No comments

آلاء النجار

اعتمد ذو القرنين على منهجية العمل الإدارية الصالحة، وكان صاحب رسالة نابعة من الله، ولخص ذو القرنين الإدارة والقيادة الربانية في ثلاثة أهداف.

الهدف الأول: هو الدعوة في سبيل الله.

الهدف الثاني: العمل الصالح.

الهدف الثالث: قيادة الأمم لما فيه صلاحها.

{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ}، فكان هنا براعة التسليم لقضاء الله وقدره، وتحليه بالإيمان اليقيني بوحدانية الله، وجرأته في الحق، أي الذي مكنني في هذا العمل ووطأه لي وقواني عليه هو الله، وهذا يشير إلى أنّ القيادة والإدارة ربانية.

تنفي مفهوم (لست وحدك)، ومن الوحيد الذي يعلم أنك بالفعل وحدك لولاه سبحانه، إننا نحتاج إلى من يدفعنا إلى الحلم، وينبهر بخطواتنا البسيطة.

فالدعم هنا كان من رب العباد، من القاهر فوق عباده، أليس هذا كافياً، ماكنت لتقوم بنفسك بل بالله، فالله يعرف من أنت ولكن أنت لا تعرف من أنت، وعند انتهاء الردم بضخامته وإعجازه (قال هذا رحمة من ربي)، أوكل الأمر إلى الله، أعانني برحمته لهم حتى بنيته وسويته، وأعتمد على مسبب الأسباب رغم وجود قوة الأسباب.

ثم شرع ذو القرنين في تحديد هدف لبناء فريق، واعتمد فيه على أربع أركان:

  • وضع قائمة بالأهداف المتوقعة: فكانت الرؤية المستقبلية، إن يأجوج ومأجوج سيعيثون فى الأرض الفساد طيلة حياتهم، فوضع الهدف المحدد، وهو إقامة ردم ضخم على أعلى تقنية، كي يمنع هجمات يأجوج ومأجوج أبد الدهر.
  • قام بصياغتها بأسلوب مخصص: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ}، وهنا يشير إلى الثقه المتبادلة بين أعضاء الفريق أي الثقة في الآخرين وهي ضرورة من ضروريات تكوين الفرق.

لأن أي إنجاز لا يتم إلا عن طريق الثقة المتبادلة، تلك الحقيقة التي أعلنها ذو القرنين وهو يتحدث إليهم عندما قال لهم {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ}، زكى قدراتهم الذاتية وأكسبهم الثقة في أنفسهم، فتحولوا إلى طاقات بشرية هائلة نفذت أكبر ردم، وهنا نشير إلى براعة ذي القرنين في الاجتماع بهم والانفتاح معهم، كانوا شعبا خائفا لا يكاد يفقه قولاً، إنها أزمة بحق.

استمع إليهم أولاً وهم يعرضون عليه أزمتهم، [قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا].

فقام ذو القرنين بتهدئة الحضور والسيطرة على زمام الموقف حتى يتهيأ للجميع تلقي المهام، واحترم آرائهم فلم يوجه إليهم نقداً أبدوه من حل لأزمتهم، ولكن بهدوء {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ}.

وأجاد التخاطب مع قوم لا يكادون يفقهون قولاً، تلك هي القيادة التحويلية التي تحول الجموع المتكاسلة إلى قوة بشرية لتنفيذ أكبر مشروع على الأرض.

  • عزز روح التعاون (الروح الجماعية)، وقام بتوزيع المسؤولية عليهم ثم شرح لهم وبين لكل عضو منهم عمله وواجباته ليكون العمل على أكمل وجه، في تسلسل متتابع لمراحل تنفيذ الردم ومعاونته لهم والاستفادة من خبراتهم.
  • وضع قواعد أساسية للفريق، من الثواب والعقاب، [فقال أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرا وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا]، معاقبتهم في الدنيا لمن ظلم وخالف الأمر، ومكافئة المتميزين منهم مادياً ومعنوياً.

 

يعلمنا القرآن أنّ كل عمل يعمله الإنسان لا بد أن يكون مؤدياً للغرض، الذي أقيم من أجله، فالردم الذي تم بناؤه لا بد أن يحقق هدفين:

  1. المتانة والقوة، بحيث لا يمكن أن يحدثوا فيه ثقباً ينفذون منه.
  2. عالي جداً يصعب عليهم أن يتسلقوه.

وحقق تنفيذ الردم هذين الهدفين، فعلى القادة حين يخططون لتنفيذ الأهداف أن يضعوا أعلى معايير الجودة والأداء ليصلوا بفريقهم إلى أفضل النتائج.

يعلمنا ذو القرنين، كيف تُغير الواقع قبل أن يُغيرك.

DET Platformتكوين فرق العمل عند ذي القرنين
قراءة المزيد

قصتي مع متلازمة توريت – الجزء الأول

No comments

عبد الرحمن سليم

بدأت قصتي في الصف الثاني الابتدائي، يوم كنت في السابعة من عمري.

في ذلك الوقت كنت كباقي الاطفال في المدرسة، لا أختلف عنهم أبداً، بل وكنت متفوقاً في دراستي.

ذات صباح استيقظت وحركة تنتابني لا أستطيع السيطرة عليها، كانت أكتافي تتحرك حركة لا إرادية، في تلك اللحظة بدأت المعاناة.

معاناة في المجتمع وفي المدرسة وفي الطريق وحتى في العائلة، باختصار في كل جوانب حياتي.

في الصف انتبهت المعلمة للحركة التي تصدر عني، وطلبت مني أن أكفّ عن ذلك! أما أنا فكنت فاقد السيطرة تماماً على تلك الحركة.

في البيت أيضاً فقد لاحظ أبي وأمي أني اقوم بتحريك أكتافي، وأمروني فوراً بالتوقف عن ذلك، بذلت كل جهدي محاولاً إيقاف الحركة ولكنني كنت عاجزاً تماماً، فبدأ الأهل بتوبيخي ظناً منهم أنني أقوم بهذه الحركة تقليداً لشيء أعجبني.

لم يكن في تلك الفترة الوعي كافٍ، ولم يكن الحصول على المعلومة سهلا كما هو الحال في زماننا، لذا كان من الصعب إقناع من حولي أنّ هذه الحركات هي بداية مرض اسمه متلازمة توريت.

شعرت بالخوف والحزن في آن واحد، الخوف من هذه الحركات والحزن من نظرة الناس.

فشلت كل محاولاتي، وضاقت بي الأرض، خاصة بعد أن ازدادت وتيرة الحركات وقوتها.

وبعد مدة من الزمن ذهبت مع أسرتي إلى الطبيب الذي لم يكن لديه أيّ تفسير حول ما يجري معي سوى أنه قال: لعلها نتيجة علاج تناولته سابقاً! بالطبع لم يكن جواب الطبيب جوابا شافيا على الإطلاق.

ومع مرور الأيام خفّت حركات أكتافي، ولكنها انتقلت إلى رقبتي وأصبحت أحرك رقبتي وأكتافي معاً.

لاحظ الأصدقاء في المدرسة تلك الحركات، وصاروا ينظرون إليّ باستغراب!

ويوماً بعد يوم سرت الحركة في الكثير من أعضاء جسمي، في أكتافي ورقبتي ويدي وساقي، كان الألم يزداد بعدد الثواني.

وقد أثّر هذا الوضع الصحي على وضعي التعليمي، فتراجع انتباهي، وتدنى مستواي الدراسي.

كان كلام الناس من حولي يزعجني جداً، كنت ألازم البيت حتى لا أسمع كلاماً جارحاً وقاسياً، وهكذا مضت سنوات وأنا أعيش حالة من الخوف والاكتئاب في مجتمع لا يرحم.

وأصبحت ردة فعلي تظهر على شكل أفكار إجرامية بكل ما تعنيه الكلمة، لقد شكل الكلام الموجه إليّ شحنة سلبية جعلتني أشعر وكأنني أعيش في الجحيم.

مرت سنين وأنا على هذه الحالة، فأثر ذلك على قوتي الجسمية، فصار جسمي ضعيفاً ولا يقارن بقوة الأشخاص الذين هم بعمري، وكان ذلك مظهرا إضافياً استغله المجتمع كي يكيل لي المزيد من الضغط.

ليس كل المجرمين يولدون بفكر إجرامي، فهناك مجرمون يصنعهم المجتمع، ليس بأدوات مثل شرب الخمر أو التدخين أو السرقة أو تعاطي المخدرات، إنما يصنعهم بالسخرية وبالتقليل من قيمة الشخص وممارسة العنصرية تجاهه، إذا كان مختلفاً عنه بلون أو عرق أو حتى مرض.

DET Platformقصتي مع متلازمة توريت – الجزء الأول
قراءة المزيد

لا أعلم هويتي

No comments

رفاه أحمد غصن

“لا أعلم هويتي” للكاتب: حسام الدين حامد.

كلنا بشر وكلنا نخطئ، وجل وعلا من لا يخطئ وحاشاه من ذلك.

لمّا كان الخطأ صفة عابرة لدى كل البشر تعتري معظمهم كان من هذه الأخطاء ما لا يُغتفَر ولا ينسى!!

قد يكون الخطأ بحق أُناس فنسعى ونسعى لتصحيحه. فكيف إن كان الخطأ بحق خالق السماوات والأرض، خالق الشمس والقمر، هادي البشر وصانع الحجر، سبحانه وتعالى.

لطالما فكّر الكثير منّا عن اللقاء مع ربنا العظيم كيف سيكون؟ وماذا سوف نقول ونحن نقف بين يديه جل وعلا؟

ولكن هل فكّر أحدنا كيف سيكون موقف من رحل عن هذه الدنيا ولم يتعرف إلى خالقه بعد؟! من لم يعي من يكون ربه؟ من لم يدرك رحمته وعظيم شأنه؟! من لم يلتمس كرمه وعطاءه؟! خسارةَ من لم يفكر في هذه اللحظة! وخسارة من لم يمد يد العون لأخيه ليضعه على طريق الحق والنور، ذلك الصراط المستقيم.

قد وضع الكاتب “حسام الدين حامد” بين أيدينا منهاجاً للدعوة إلى الحق ومعرفة الله عز وجل.

دار كتابه “لا أعلم هويتي” حول مناقشة دارت بين (مسلم ومُلحد) للدعوة إلى الإسلام وإدراك حقيقة الكون وخالقه.

كما أجاب على العديد من التساؤلات التي تدور في أذهان البشر حول قضايا متعددة تدل على قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه وإبداعه للأمور وإتقانه المُحكم جل شأنه.

كما تحدث عن الرسل الكرام عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم وصدق رسالتهم التي جاءت نوراً وحقاً للبشرية.

كان هذا الكتاب بمثابة مقدمة عن دين الإسلام وسراجاً منيراً للثبات على الصراط المستقيم.

عسى أن يجد كل ضائع هدايته قبل فوات الأوان.

DET Platformلا أعلم هويتي
قراءة المزيد

لمار

No comments

عبد الناصر القادري

تبدأ الرواية في مكان موحش للغاية، ربما الأكثر وحشة وخوفا، فرع المخابرات الجوية في الجمهورية العربية السورية، الفرع الأكثر دمويةً في عقول السوريين وإن كان جميعها دمويا، بل تبدأ الرواية برعبنا.

تذكرنا بمعتقلينا، على المستوى الشخصي، إخوتي وأبي وأمي، أبناء عمي وأخوالي وأصدقاء كثر، أبناء مدينتي وأشخاص لا نعرفهم ولكن سمعنا عنهم، لم أجرب إلا ساعات اعتقال قليلة لم تتجاوز ال ٢٤ ساعة وفي كل مرة كنت أنجو، لا أدري السبب ولماذا؟

ربما كانت الأسماء المستعارة لا تعجبني في الرواية، خيالاتهم الحقيقية ترافقني بأسماء إجرامية شديدة الوضوح، تل خروبهم وخرابنا، سليمان وعلي وصخر ولمار وزياد، أسينة وغيث والجنرال ومجيب، كل واحد منهم حمل بشاعته أمام وجهي. رغم معرفتي بأغلب ما دار في الرواية من خطوط عامة ربما يعرفها كل سوري حر، بحثَ عن الحقيقة في وجوه المعتقلين قبل الثورة أو الشهداء والمعتقلين والجرحى وأمهاتهم بعد الثورة.

لمار هي الشخصية الحقيقية لكل فرد من هذه العائلة وربما الطائفة حتى، لمار هي الوجه الحقيقي لعشرات السنوات من الحقد الأسود في قلوب ليست بقلوب.

لمار لم تكن استثناءً، بل مرآة كبيرة لهم، وإن كانت تلعب شخصيتها في الواقع الأم التي اتخذ لها صخر معبدا في مدخل البلدة العرين والميؤوس منها، القرداحة طبعاً.

لمار عدوة شخصية لكل إنسان فينا، لمار هي الحقد الأسود الذي زرع في سياج البلد، في بردى، في دمشق القديمة، الساحرة الشريرة التي تريد أن تغرق العالم بألاعيبها ونفسها المريضة، هي تماما كذلك.

أحسست بأن الرواية مقلة جداً، في القصص التي تشيبنا ويمكن ذكرها دون ملل لأهميتها في تأريخ روائي لأكثر من ٧٠ سنة.

الرواية منسوجة بأسلوب جميل وممتع وقاس أحياناً ولكنها محاولة جديدة في وصف ماضٍ مرعب وواقع أشد إيلاماً ورعبا، وإن أعتب على الكاتبة بأنها لم تعطي للثورة حقها في نفوس عائلة لمار المدمرة، الرعب من انطلاق الثورة، زياد الذي لا يدري ما يفعل بداية الأمر كل ذلك يستحق.

فالثورة كما أنها نشلتنا من الموت السريري أحيتنا كذلك، وفي المقابل حكمت عليهم بالموت، وضعتهم في اللاخيار، في مكان بين الجحيم والسعير، أخذ السلطة من النفوس المريضة هكذا، فهم ليسوا جائعي سلطة فحسب، بل جوعى، كالبهائم كل شيء مباح، بل أضل سبيلا.

لعل أكثر ما يعلق في ذهنك بعد الحقد الذي يملكونه علينا هو الانتهازية ضد بعضهم البعض، ولو ملكوا أنفاسنا بقي شهداؤنا رعب أحلامهم المستمر وأنينُ الثكالى عذابهم.

والتاريخ يكتب، وأقلامنا صلبة جداً..

DET Platformلمار
قراءة المزيد

وتنحى جبروت الواقع

1 تعليق

أبي تللو

مذ رحل فؤادي من آهات أنينٍ سعيدٍ في غوطتي إلى آهات الأسى في غربتي، حين تنشّقت عبق ياسمينها المخضّب بدماء الشهداء للمرّة الأخيرة فاختلطت رائحة الياسمين بالمسك عبيراً لا ينسى.

وفي مشهدٍ لوداع البلاد دون أخذ ميعاد، فالحال تدهور سريعاً وحتّم علينا الفراق، في ذلك المشهد أبٌ يودّع وأم تبكي والأرض تنزف على فراق من داس أرضها بحريّة. ظنّت شام أنّ الأمر قد انتهى وأسدل السّتار وانتهت المسرحيّة وكلّ شيءٍ عاد كما كان قبل سبع سنين.

تنظر إلى عيني شام التي تلألأت بالدّموع لتعكس حال أبنائها اللذين بقوا على أرضها وما أصابهم من ذلٍّ وظلمٍ، وتنظر تارةً أخرى لتعكس مشاهد أبنائها المهجّرين ممن تركوها خوفاً على دينهم وأنفسهم.

همدت فجأة وشعرت بالانهيار وأغمضت عينيها استسلاماً للواقع المرير لتهوي الدّمعات من عينيها، وفجأةً عكست القطرات الأخيرة المتساقطة صورةً لأبنائها، اللذين لم يمض على فراقهم لها مجتمعين في أولّ مشروع جامع على استكمال سنة الدراسة التي هُضِمَت خلال الحملة الهمجيّة على أرضها ليحملوا مشاعل العودة من جديد.
لم تكن تلك اللقطة الأخيرة بل كانت الأبرز على همّة شعبٍ آمن بقضيّته وسعى لإيجاد بصيص ضياءٍ يتعلّق به للوصول إلى درب النّور.

مشهدٌ لأبناء شامٍ في دار الهجرة، في عيدهم الأوّل قد وضعوا بهارج العيد، في معركةٍ مع الواقع، ليرفعوا شهادات النّجاح كدليلٍ على أوّل نصرٍ في واقعٍ مرّ. سوف يلحقه النّصر الأكبر، عساه في واقعٍ أبهرٍ وكادر أجدر وهمة أكبر بعد العمل على أسباب التمكين متوكلين على العليّ القدير.
ووقف الواقع بجبروته إجلالا لهمم أعجزته عن إخمادها.

DET Platformوتنحى جبروت الواقع
قراءة المزيد

إليك أيتها الأم المسلمة

No comments

آلاء النجار

دور الأم المسلمة في تنشئة الأبناء، تسقي كل زرع فهي المدرسة الأولى التي يتربى في حضنها رجال ونساء المستقبل.

مشروعكِ كمُربية:
من أهم القضايا التى ينبني عليها صحة استقامة الأبناء هي الطاعة والعبادة، وهي قضية لا ينبغي أن تهمل، فالأم لها دور مهم جداً فى غرس حب الطاعة وحب العبادة في نفوس الجيل الذي تربيه. حتى يَخرُج في الأمة الجيلُ الذي يصبر أمام الفتن والمحن.
ما هو دورك الحقيقي تجاه أمتك؟ أن تبني في أبناءك نفسية (أنا لأمتي وأمتي لي). من المهم ألا تموت هذه القضايا فى نفوس أبنائنا وهذا يستلزم من الأم تعريفهم قضايا أمتهم، وأسباب ضياعها، وكيف نعمل في اتجاه عودتها؟
علميهم أيتها الأم العمل للدين حتى آخر الأنفاس وأنّ قضية العمل للدين قضية حياة، اغرسي في نفوسهم أن لكل شيء ثمنا.
والأمة ضعيفة اليوم، فما الذي سنقدمه نحن لتعود أمتنا وتنتصر؟ فهذا من شأنه أن يولد عندهم المسؤولية تجاه قضايا الأمة وعدم الغفلة عنها. فعلى قدر ما تعتني فى تكوين النظرة السليمة لدى الأجيال يكون مقدار نجاحك فى أداء الأمانة وتبليغ الرسالة.

ولا تنسي عزيزتي الغالية: التوجيه ودوره المؤثر في حياة أبناءك، فالتوجيه بمثابة البوصلة نحو الهدف.
كيف نصل إلى التقييم الصحيح لأبنائنا ومدى قياس استجابتهم لمثل هذه القضايا؟ من خلال عدة محاور:
1. محور المفاهيم والأفكار: قياس مستوى الفهم والاستيعاب واقعياً وبدقه، من خلال الحوار المتبادل والنقاش المفتوح بين الأبناء.
2. ملاحظة تساؤلاته وإجاباته وتعليقاته على المواقف والأحداث.
3. محور الالتزام السلوكي ومصاحبته في أداء هذه الأعمال ومشاركته فى تنفيذها وملاحظة مستوى أدائه.

فالصباح لا يتغير إلا بكِ، وكل يوم يأتي بشكل أجمل بقدر ما تحملينه من مسؤولية. ينبغي ألا تنسي أن مهمة التربية من أعظم المهام وأدقها، لأن مصير الأجيال يكون بين يديكِ، فالمستقبل ينتظر غرسكِ اليوم، ولا تَرضي بالقليل، فأمتنا مَكلومة وجُرحها غائر.
ولا تكوني ممن فقد السيطرة على نفسه في دوامة الحياة وأنتِ تملكين ولو فكرة تحرريهم بها من أسر الدنيا، فالحياة ليست دار انتظار.
العمر لن يقف فإياكِ أن تقفي، وحين تضيق بكِ الدنيا ويشتد عليكِ الظلام تذكري ربك فوقك، وتذكري دائماً أن الله لقلبك، الله لأوجاعك، الله طبيبكِ وحبيبكِ ورفيقكِ الدائِم، وما سِواه عدم.

لم يكن حلمك ورسالتك أكبرمنكِ ولكن في هذه الحياة نحن مجبرون على تحمّل ضريبة الأحلام والقضايا الكبيرة.
مهما طال بنا الطريق وتفرقت بنا السُبل، المهم أن تخطي خطوة نحو حلمكِ وقضيتكِ واسألي نفسكِ دوماً: ما الذي يدور في رأسي؟ ما أكثر الأمور التي أفكر بها وأهتم لأجلها؟ ما الذي نرجوه عند الله مما نهتم ونعمل من أجله في هذه الدنيا؟ هل يستوقفك هذا السؤال؟ أم أننا نحيا حياة غير الحياة؟
ولكن من المؤسف في عصرنا الحاضر ومما تنفطر منه القلوب هو الزيف والتصنع وعدم تحمّل المسؤولية الفطرية.
عدم الانشغال بالقضايا الكبرى، والانغماس في زيف الحياة الوهمية وبعدك عن الطريق، الذي نتج عنه عدم فهم حقيقة الطريق الذي عجز عن إدراكه كثير من أبناء الإسلام اليوم، فضرب عليهم التيه فى الأرض عقوداً لم تنتهي بعد.
فمن يجتهد أن يكون له منهج واضح له ولأبنائه سيصير الانضباط عادته وطبعه، خير ممن يخبط على غير هدى.

هكذا هي المسلمة كالنحلة مجتهدة تسقي كل زرع فتكون نعم المرأة، تحترم فطرتها وتؤدي واجباتها ولا تخشى في الله لومة لائم.
لديها قدرة على التوازن بين ترتيب أولوياتها ودوائر حقوقها، فلنعد المسلمة السوية التي تقف صامدة أمام الفتن والمحن كي تعد للسؤال أمام الله جواباً مقنعاً.

DET Platformإليك أيتها الأم المسلمة
قراءة المزيد